**ديكوفري ماروك
في رحلة البحث عن “النبض الديني” الصافي، نصل إلى جوهر الرسالة المحمدية التي جاءت لتضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، حيث تقف سيرة النبي ﷺ حائط صد منيعا أمام كل أشكال التشدد التي يحاول “المنغلقون” إلصاقها بالدين، فالناظر في المواقف النبوية يجد أن “التيسير” لم يكن مجرد خيار ثانوي، هو كان دائما أصلا أصيلا ومنهجا ثابتا، لخصته السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها: “ما خيِر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما”
هذا المبدأ النبوي هو الترياق الحقيقي لمواجهة “الطفيليات” التي تقتات على الترهيب والتعسير، ففي موقف الأعرابي الذي بال في المسجد، نرى كيف كبح النبي ﷺ اندفاع الصحابة الغاضبين ليعلمنا أن احتواء الجهل بالرفق أبلغ من مواجهته بالعنف، قائلا: “إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”
إن هذا المشهد ينسف فكر “الإقصاء” ويوضح أن الحفاظ على كرامة الإنسان وتأليفه هو المقصد الأسمى، تماماً كما حدث حين رأى النبي ﷺ رجلا يجهد نفسه في العبادة حتى سقط، فقال كلمته الخالدة التي تحطم أصنام التشدد: “إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق”، إن “النبض النبوي” كان دوما ينحاز لروح الشريعة لا لجمود الظواهر؛ ففي الحج، ذلك المحفل العظيم، كان رده على كل من سأله عن تقديم أو تأخير في المناسك كلمة واحدة: “افعل ولا حرج”، وهي كلمة لم تكن تيسيرا في الشعيرة فحسب، بل كانت تحريرا للعقل المسلم من وسواس التنطع والتشدد الذي يُهلك صاحبه، فمحاربة التشدد اليوم تبدأ من استعادة هذه الصورة النبوية الراقية، حيث الدين رحمة مهداة وبناء للإنسان، لا عبئا يثقل الكواهل أو سوطا يجلد الضمائر، ليبقى الإسلام كما أراده الله: دينا فطريا سمحا، يواجه انغلاق الفكر برحابة الوحي، ويستبدل عسر المتنطعين بيسر النبوة الصافية