** نفحات رمضانية : الجزء 4
في المنطقة الرمادية من تاريخ الوجود، وقبل أن تطأ قدم آدم تراب الأرض بآلاف السنين، تبرز في دهاليز المخطوطات الصفراء شخصية “سوميا”؛ ذلك الكائن الذي وصف بأنه “أبو الجن” والموازي الميثولوجي لآدم البشر
إن الغوص في نص هذه الأسطورة يكشف عن محاولة إنسانية مبكرة لفك شفرة “ما قبل الخلق”، حيث يصور سوميا كأول من سكن البسيطة واستخلف فيها، ناطقا بكلمات الطلب الشهيرة “أن نرى ولا نرى، وأن نغيب في الثرى”، ليتحول من كائن مادي إلى طيف يملأ الفراغ الكوني بتحليل هذا النص من منظور صحفي استقصائي، نجد أن “سوميا” يمثل “الأيقونة المفقودة” في روايات الإسرائيليات التي تغلغلت في كتب التفسير والتاريخ ككتابات الطبري وابن كثير، ومع ذلك، فإن هذا الاسم يفتقر إلى السند الديني القطعي في القرآن أو السنة، مما يجعله أقرب إلى “الاشتقاق اللغوي” من كلمة (السموم) النار التي خلق منها الجن منه إلى الحقيقة التاريخية الموثقة
لقد خلق الوعي الجمعي “سوميا” ليمنح عالم الجن الغامض هيكلا بشريا مفهوما، فكان لا بد من وجود “أب” ومن نسل و”خطيئة أولى” تبرر طردهم إلى الجزر والبحار قبل استخلاف الإنسان، إن “سوميا” في الجوهر ليس مجرد خرافة عابرة، بل هو بطل “تراجيديا ما قبل التاريخ” التي صاغها الخيال التراثي لملء فجوة زمنية سحيقة، هو تجسيد لصراع الإنسان مع الغيب، ومحاولة لعقلنة وجود كائنات سبقتنا في سكنى الأرض، لذا، يظل سوميا عالقا بين منزلتين: فهو في نظر الروحانيين حقيقة أزلية، وفي نظر النقد التاريخي مجرد “أسطورة” أدبية تعكس فضول البشر لمعرفة من كان هنا قبلهم، وكيف بدأت قصة الصراع على سيادة الكوكب