**ديكوفري ماروك
في أروقة واشنطن التي لا تعرف النوم، وبحبرٍ سياسي جاف لا يحملُ مواربة، نضجت الطبخة الكبرى التي ستغير موازين القوى في شمال إفريقيا؛ حيث انتقلت الإدارة الأمريكية من مرحلة “الدعم الدبلوماسي” إلى مرحلةِ “فرض الواقع الميداني”، التسريبات التي انبعثت من دوائر القرار الأمريكي لا تتحدث عن نيات، بل عن “خوارزمية تنفيذ” شاملة، تضع مبادرةَ الحكم الذاتي المغربي فوق طاولة مجلس الأمن كخيار وحيدٍ لا يقبل القسمة على اثنين
إن الهندسة الجديدةَ التي تسرب ملامحها تشير إلى ولادة “غرفة عمليات تقنية” دولية، مهمتها ليست النقاش السياسي، بل نحت التفاصيلِ القضائية والأمنية والمالية لتنزيلِ السيادة المغربية في قالب عملي، وبسقف زمني يقطع الطريقَ على سياسة “إدارة الجمود”، هذا التحول الدراماتيكي في واشنطن، الذي يتجاهل تماما أدبيات الاستفتاء المتجاوزة، أرسل موجات ارتدادية عنيفة نحو مخيمات تندوف، محولا حالة الانتظار المزمنة إلى غليانٍ مكشوف يهدد بانفجار الخيمة من الداخل
في تندوف اليوم، لم يعد الصمت سيد الموقف؛ فالسكان الذين باتوا يرقبون خرائط العالم عبر شاشات هواتفهم، أدركوا أنّ “قلاعَ الوهم” التي شيدتها قيادة البوليساريو تتهاوى أمامَ مطرقة الواقعية الدولية، هناك حالة تمرد صامتة وبوادر عصيان تغذيها اتهامات مباشرة للقيادة بالعجز والارتهان لأجندات أكل عليها الدهر وشرب، بينما يزحف قطار الحكم الذاتي بسرعة لا تترك مجالا للمناورة
إن المشهد الحالي يؤكد أن الستار بدأ يسدل على حقبة من التضليل، وأن الفجوةَ بين سراب الانفصالِ وحقيقة السيادة المغربية قد اتسعت لدرجة أنه لم يعد هناك مكان للواقفين في المنطقة الرمادية، فالغضب في تندوف ليس مجردَ صرخة احتجاج، بل هو إدراك مرير بأن اللعبةَ قد انتهت، وأن واشنطن قد كتبت السطر الأخير في رواية “النزاع المفتعل”