**محمد الحياني
يدخل النظام البنكي والمالي المغربي مرحلة مفصلية تتجاوز مجرد الصمود أمام التقلبات الجيوسياسية والمناخية، لتتحول إلى “محرك دفع” استراتيجي للاقتصاد الوطني، حيث نجحت المملكة في بناء درع مالي صلب بلغت أصوله الإجمالية نحو 3,441 مليار درهم في عام 2024، ما يعادل 216% من الناتج المحلي الإجمالي
هذا الحجم الضخم، الذي يهيمن عليه القطاع البنكي بنسبة 61%، لا يعكس فقط القوة الرقمية، بل يترجم رؤية الدولة في تحويل القطاع المالي من مجرد وسيط تقليدي إلى رافعة حيوية للسيادة الاقتصادية والإدماج الاجتماعي، وهو ما جعل البنك الدولي يصنف النظام المغربي ضمن الأكثر مرونة واستقرارا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
وتتجلى القوة الدافعة لهذا القطاع في قدرته على الحفاظ على وتيرة تصاعدية للقروض البنكية التي لامست 1,161 مليار درهم بحلول غشت 2025، بنمو سنوي قدره 5.3%، هذا الانتعاش مدفوع بتحول هيكلي في أداء البنوك المدرجة في البورصة، والتي من المتوقع أن تقفز بنمو ناتجها البنكي الصافي من 3.7% في مرحلة ما قبل الجائحة إلى 7.5% في أفق 2026. إن هذا التفاؤل ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجية مزدوجة ترتكز على تعزيز الرساميل والنسب الاحترازية من جهة، وتوسيع قاعدة “المالية التشاركية” والحلول الرقمية من جهة أخرى، مما سمح بدمج فئات مجتمعية كانت تاريخياً خارج الرادار البنكي، وبالتالي تعميق الشمول المالي كأداة للعدالة الاجتماعية
ومع ذلك، فإن هذا المسار التصاعدي يواجه تحديات بنيوية تستوجب اليقظة؛ فتركز 62% من الأصول البنكية في يد أكبر ثلاث مؤسسات يطرح علامات استفهام حول حيوية المنافسة وقدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على الوصول إلى تمويلات ميسرة بعيدا عن شروط التمويل التقليدية، كما أن تباطؤ نمو الائتمان في بعض الفترات (4.4% في 2024) وارتفاع مديونية الأسر والمقاولات غير المالية، يشكلان نقاط ضغط قد تتفاقم في ظل ضغوط التضخم وتقلبات المناخ
هذه العوائق تفرض على الفاعلين الماليين الانتقال من “منطق الاحتراز” إلى “منطق الابتكار”، عبر تنويع القنوات التمويلية وتفعيل دور بورصة الدار البيضاء وسوق الرساميل كبدائل حقيقية ومكملة للاقتراض البنكي الكلاسيكي، إن المستقبل المالي للمغرب رهين اليوم بقدرته على قيادة “التحول الأخضر” ورقمنة الخدمات الشاملة، مع التركيز على تمويل المشاريع الكبرى للبنية التحتية ودعم الاقتصاد غير المهيكل للاندماج في الدورة النظامية، إن نجاح المملكة في معالجة ثغرات المديونية وتعزيز التنافسية البنكية لن يحصن اقتصادها الوطني فحسب، بل سيكرس مكانتها كقطب مالي إقليمي ومركز ثقل استراتيجي في القارة الأفريقية، محولا القطاع المالي من مرآة تعكس الاقتصاد إلى محرك يصنعه