**مصطفى الابيض
:من زاوية أخرى**
لم تكن ليلة الرباط مجرد خسارة في نهائي قاري، ولا يمكن اختزالها في هدف قاتل أو فرصة ضائعة، ما جرى فوق عشب المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله كان أشبه بانكشاف داخلي عميق، لحظة سقط فيها القناع عن سؤال مؤجل ظل يرافق الكرة المغربية منذ سنوات: هل،نملك فعلا القدرة على الحسم حين نقترب من المجد، أم أننا نتقن فقط الاقتراب منه؟ المباراة لم تهزم فيها الأقدام بقدر ما انهزمت العقول. فالمغرب دخل اللقاء وهو محمل بتوقعات شعب كامل، وبثقل إنجازات سابقة صنعت سقفا عاليا من الطموح، لكنه في المقابل افتقد إلى البرودة الذهنية التي تكسب النهائيات
كل شيء كان يوحي بأن الأمور تحت السيطرة، لكن كرة القدم لا تعترف بالمؤشرات، بل باللحظة التي تختبر فيها الأعصاب قبل المهارات، وعندما جاءت تلك اللحظة، بدا واضحا أن المنتخب السنغالي كان أكثر استعدادا لتحمّلها، اللقطة التي غيّرت مسار المباراة لم تكن هدفا ولا فرصة ضائعة، بل ذلك المشهد الفوضوي الذي أعقب القرار التحكيمي المثير، حين اهتز التوازن النفسي للطرفين، غير أن السنغال نجحت في استعادة رباطة جأشها بسرعة مذهلة، بينما ظل المغرب أسير التوتر والاحتجاج والشرود الذهني، هناك تحديدا، بدأ الانهيار الصامت، لا على مستوى التنظيم، بل في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في مثل هذه المباريات، ما حدث بعد ذلك كان امتدادا طبيعيًا لهذا الارتباك، تمريرات بلا تركيز، اندفاع غير محسوب، وقرارات فردية في لحظات كان المطلوب فيها هو الهدوء الجماعي
حتى النجوم الذين يفترض أن يصنعوا الفارق، ظهروا وكأنهم يلعبون بثقل غير مرئي، ثقل القميص، وثقل الجمهور، وثقل فكرة أن الفوز صار واجبا لا خيارا، في قلب هذا المشهد، برزت لقطة ستظل عالقة في الذاكرة، ليس لقسوتها التقنية، بل لدلالتها الرمزية، لاعب اعتاد اللعب في أعلى مستويات الكرة الأوروبية، وجد نفسه عاجزا عن ترجمة خبرته في لحظة وطنية فارقة، لم يكن الأمر ضعفا فنيا، بل اختبارا نفسيا خالصا، فاللعب للمنتخب لا يشبه اللعب للأندية الكبرى، لأن القميص هنا لا يمثل عقدا احترافيا، بل هوية كاملة تضغط على صاحبها حتى آخر ثانية، السنغال، في المقابل، قدمت درسا في النضج، فريق عرف كيف ينجو من لحظة انفلات، وكيف يعيد ترتيب صفوفه، وكيف يحول الغضب إلى تركيز، والخوف إلى طاقة. لم تكن الأفضل في كل فترات المباراة، لكنها كانت الأكثر صلابة حين بلغ التوتر ذروته. وهذا بالضبط ما يصنع الأبطال
الهزيمة في حد ذاتها ليست كارثة، لكن طريقة حدوثها تفرض وقفة صريحة، فالمنتخب المغربي يملك كل المقومات التقنية والبشرية للمنافسة القارية، لكنه ما يزال يصطدم بالحاجز ذاته كلما اقترب من منصة التتويج: حاجز الذهن، لا يمكن الحديث عن مشروع كروي مكتمل دون معالجة هذا الجانب، ودون إعداد اللاعبين نفسيًا لمواجهة الضغط داخل الأرض، وأمام جماهير لا تقبل إلا بالنصر،
ما حدث في الرباط يجب ألا يختزل في نقاشات عابرة أو تحميل المسؤولية لهذا اللاعب أو ذاك، المسألة أعمق، وتتعلق بثقافة الفوز نفسها، بثقافة التعامل مع اللحظات الكبرى دون ارتباك، ودون خوف من السقوط، لأن المنتخبات الكبيرة لا تُقاس بعدد نجومها، بل بقدرتها على الوقوف ثابتة حين تهتز الأرض تحت أقدامها،الخسارة مؤلمة، نعم. لكنها قد تكون ضرورية إن أُحسن فهمها، أما إن تم تجاوزها بمنطق التبرير أو النسيان السريع، فسيظل الحلم مؤجلا، وستبقى الملاعب شاهدة على لحظات اقتراب لا تكتمل، وعلى أمل يتكرر ثم ينكسر عند أول
اختبار حقيقي للأعصابة