من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
الرياضة

اكتشاف المغرب بعيون إفريقية: حين تعيد المنصات الرقمية تشكيل الوعي في زمن المنصات الرقمية وتحوّلات الإعلام الجديد

** محمد خرطوف
، لم تعد الصورة النمطية قادرة على الصمود طويلا أمام قوة المشاهدة المباشرة وتجربة الاكتشاف الذاتي، هكذا، وجد جمهور واسع من وسط إفريقيا نفسه، خلال الأشهر الأخيرة، أمام مشهد مغربي غير متوقَّع، نقله فلوغرز ويوتيوبرز أفارقة عبر عدسات هواتفهم وقنواتهم على يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي. الدهشة كانت العنوان الأبرز
فالمغرب الذي ارتبط في المخيال الجماعي لدى كثيرين بصورة الجِمال والصحراء، انكشف فجأة كبلدٍ شتوي، جبلي، أخضر، متنوع المناخ، غنيّ بالثلوج والغابات والسواحل والمدن الحديثة، جنبا إلى جنب مع حواضر تاريخية ضاربة في العمقـ، آلاف التعليقات عبّرت عن صدمة إيجابية: “لم نكن نعلم أن إفريقيا تضم بلدا بهذا التنوع”، هذا الاكتشاف البصري البسيط تحوّل سريعا إلى نقاش هوياتي عميق في فضاءات التعليق. لم يعد الحديث مقتصرا على الطبيعة، بل امتدّ إلى سؤال: من هو المغرب؟ وما جذوره؟ وهل هو إفريقي أصلا أم مجرد امتداد ثقافي آخر؟ داخل هذه النقاشات، برزت أصوات من تيارات “الأفروسنتريك”، خاصة في نيجيريا والكاميرون، تنظر إلى شمال إفريقيا بعين الشك، وتعتبر أن العروبة عنصر وافد، وأن الهوية الإفريقية الحقيقية لا تشمل من يختلف لون بشرته أو لغته
في المقابل، حاولت أصوات أخرى من السنغال ومالي وكوت ديفوار تفكيك هذا الطرح، مذكّرة بأن المغاربة أفارقة تاريخيا، وأن اللغة العربية دخلت سياقهم الثقافي لأسباب دينية وحضارية، لا بوصفها لغة أصل، كما لم تغب صفحات التاريخ المؤلمة عن النقاش، خصوصا ما يتعلق بتجارة الرقيق العابرة للصحراء، حيث حضرت روايات متباينة، أحيانا بلغة حادة، تعكس جراحا تاريخية لم تعالج بعد في الوعي الجمعي الإفريقي. هنا، يتضح أن المنصات الرقمية لا تنقل الصورة فقط، بل تستدعي الذاكرة، وتفتح ملفات مسكوتًا عنها
اللافت في هذا كله، أن اللغة لعبت دورًا حاسما في تشكيل دوائر النقاش: فضاءات إنجليزية يهيمن عليها النيجيريون والغانيون والغامبيون، وأخرى فرنكوفونية يتصدرها السنغاليون والغينيون والبوركينابيون والماليون. اختلاف اللغة أنتج اختلافًا في زاوية الرؤية، وأحيانا في حدّة المواقف
ورغم التباينات، فإن خلاصة هذا الحراك الرقمي واحدة: المغرب لم يعد ينظر إليه كجغرافيا معزولة عن عمقه الإفريقي، بل كبلد متجذّر في القارة، متعدّد الأبعاد، معقد الهوية، وغنيّ الامتداد الحضاري. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي، وانتشار المعلومة العلمية الموثقة، ساهما بدورهما في تصحيح كثير من المغالطات التاريخية. من هنا، يتضح المعنى العميق لتنظيم الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى
فهي ليست مجرد منافسات أو تظاهرات عابرة، بل آليات استراتيجية لبناء القوة الناعمة، وخلق لحظات تعارف جماعي، تسمح للشعوب بأن ترى بعضها البعض خارج قوالب التنميط، وحين تتغيّر الصورة، تتغيّر المصالح، وتُفتح الأبواب أمام شراكات اقتصادية وثقافية أوسع، إن ما يحدث اليوم على شاشات الهواتف، قد يكون أحد أهم الاستثمارات الهادئة في المستقبل الإفريقي المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى