**مصطفى الآبيض
حسم مسار المنتخب الوطني المغربي في دور ثمن نهائي كأس الأمم الإفريقية، ليضرب موعدا قويا مع منتخب تنزانيا، بعد سقوط منتخب البنين بثلاثية نظيفة أمام جنوب إفريقيا، وهي النتيجة التي أنهت كل السيناريوهات المتوقعة سابقا ووضعت “أسود الأطلس” في مواجهة مباشرة مع ثالث المجموعة الثالثة، يوم الأحد 4 يناير 2026، على أرضية المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط. ويدخل المنتخب المغربي هذا الدور بثقة عالية ومعنويات مرتفعة، بعدما فرض سيطرته على مجموعته واعتلاها بسبع نقاط، مؤكّدًا تفوقه الفني والتنظيمي بفوز واضح على زامبيا بثلاثة أهداف دون رد، المنتخب الوطني أظهر خلال دور المجموعات نضجا تكتيكيا لافتا، يقوم على توازن دقيق بين الصلابة الدفاعية والنجاعة الهجومية، مع قدرة واضحة على التحكم في نسق المباريات وفرض أسلوب اللعب مهما اختلف الخصم.
قوة المغرب تكمن في تنوع الحلول الهجومية، وسرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم، إضافة إلى خبرة لاعبيه في إدارة المباريات الكبرى، غير أن التحدي الحقيقي يظل في تفادي فترات التراخي والتركيز على استغلال الفرص، خاصة أمام منتخبات تعتمد الانضباط واللعب المباشر. في المقابل، يصل المنتخب التنزاني إلى ثمن النهائي بواقعية كبيرة، بعدما انتزع بطاقة العبور كثالث مجموعته التي ضمّت نيجيريا وتونس أوغندا، تنزانيا ليست من المنتخبات التي تستحوذ على الكرة، لكنها تعوض ذلك بتنظيم دفاعي محكم، والاعتماد على المرتدات السريعة والقوة البدنية في الصراعات الثنائية.
نقطة قوة المنتخب التنزاني تكمن في تماسك خطوطه حين يتراجع، وقدرته على إغلاق المساحات، إضافة إلى الجرأة في استغلال أخطاء الخصم، إلا أن محدودية الحلول الهجومية وقلة الفاعلية أمام المرمى تبقى من أبرز نقاط ضعفه، خاصة عند مواجهة منتخبات تملك إيقاعًا عاليًا وضغطًا مستمرا
المواجهة، رغم اختلاف الكفتين نظريا، تفرض على المنتخب المغربي أعلى درجات التركيز، لأن مباريات الأدوار الإقصائية لا تعترف بالأرقام ولا بالمجموعات، التفوق المغربي في الجودة الفردية، والانسجام الجماعي، والدعم الجماهيري الكبير في الرباط، عوامل تمنحه أفضلية واضحة، لكن الحسم سيبقى رهينا بالانضباط التكتيكي والقدرة على كسر التكتلات الدفاعية دون المجازفة بترك المساحات في الخلف،ومع التنظيم المحكم الذي تشهده نسخة “كان 2025” بالمغرب، والحضور الجماهيري اللافت، تبدو المواجهة فرصة حقيقية لـ“أسود الأطلس” لتأكيد طموحهم في الذهاب بعيدا، شرط احترام الخصم واللعب بذات الجدية التي صنعت صدارة المجموعات
ويبقى الرهان الحقيقي معقودا على البعد التكتيكي الذي سيُدير به الناخب الوطني وليد الركراكي هذه المواجهة، في اختبار جديد لقدرته على قراءة الخصم وتطويع إمكانيات لاعبيه وفق متطلبات المباراة، الركراكي أثبت في أكثر من محطة أنه مدرب براغماتي، لا يغريه الاستحواذ العقيم بقدر ما يهمه التوازن، والفعالية، وحسن استغلال لحظات الضعف لدى الخصم، وهو ما يجعل اختياراته الخططية عاملا حاسما في مثل هذه المباريات الإقصائية،من الناحية الدفاعية، يرجح أن يعتمد المنتخب المغربي على كتلة متوسطة إلى متقدمة، تضغط مبكرا لإرباك البناء الأولي للمنتخب التنزاني، مع الحفاظ على انضباط صارم بين خطوط الدفاع والوسط. قوة هذا النهج تكمن في تقليص المساحات ومنع الخصم من الانطلاق في المرتدات، غير أن نجاحه يظل مرتبطًا بسرعة الارتداد الدفاعي، والانسجام بين قلبي الدفاع، وتغطية الأظهرة عند التقدم، وهي نقاط أظهر فيها المنتخب المغربي تطورا ملحوظا، لكنها تبقى بحاجة إلى تركيز دائم طيلة التسعين دقيقة
هجوميا، يملك الركراكي ترسانة متنوعة تسمح له بتغيير الرسم التكتيكي حسب مجريات اللقاء، بين الاعتماد على الأجنحة لاختراق الدفاعات المغلقة، أو اللعب عبر العمق مستفيدا من تحركات لاعبي الوسط المتقدمين، قوة المغرب الهجومية لا تكمن فقط في الأسماء، بل في تناغم الأدوار وتبادل المراكز، ما يربك الرقابة الفردية ويخلق التفوق العددي في مناطق الحسم. غير أن التحدي الأبرز سيظل في تحويل السيطرة الميدانية إلى أهداف، وتفادي التسرع أمام مرمى منتخب يجيد التكتل والدفاع بعدد كبير من اللاعبين
أما على مستوى الانسجام، فيبدو المنتخب المغربي أكثر تجانسا مقارنة بالسنوات الماضية، بفضل الاستقرار النسبي في التشكيلة، وتراكم المباريات الكبرى التي خاضها اللاعبون معا، هذا التجانس يمنح الفريق أفضلية نفسية وتكتيكية، خاصة في إدارة لحظات الضغط أو التقدم في النتيجة، ومع ذلك، فإن مباريات الكان لا تُحسم بالأسماء وحدها، بل بقدرة المدرب على اتخاذ القرارات الصائبة في التوقيت المناسب، سواء عبر التغييرات أو تعديل النهج التكتيكي. في المحصلة، يظل سؤال القوة التكتيكية للركراكي مفتوحا، لكنه سؤال إيجابي يعكس حجم الانتظارات المعلقة على منتخب بات يُحسب له ألف حساب. الحسم لن يكون فقط في جودة اللاعبين، بل في كيفية توظيفهم داخل منظومة جماعية ذكية، توازن بين الصلابة الدفاعية والجرأة الهجومية، وتُدرك أن طريق اللقب يمر أولا عبر مباريات تفوز بالعقل قبل القدم.