من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

تساؤلات في مجلس الأمن: بريطانيا تواجه ضغوطا بعد اكتشاف محركات وأنظمة تدريب “صُنعت في ويلز” داخل آليات قوات الدعم السريع

مصطفى الابيض

ما كشفته صحيفة الغارديان البريطانية في تقريرها الأخير حول وصول معدات عسكرية بريطانية إلى قوات الدعم السريع في السودان، لا يمكن اعتباره مجرد تسريب أو خطأ إداري في التراخيص، بل هو نموذج صارخ لما يمكن تسميته بـ “نفاق السلاح الغربي”. فبينما ترفع لندن ومن خلفها العواصم الأوروبية شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والدعوة إلى وقف الحرب وإنقاذ المدنيين، تنساب من مصانعها أدوات القتل بهدوء نحو ساحات النزاع، وكأن الدم العربي والأفريقي لا يدخل في حسابات الأخلاق أو القانون

القضية لا تتعلق بصفقة واحدة أو معدّات محدودة، بل بتراخيص مفتوحة تسمح بتصدير العتاد دون تحديد صارم لوجهته النهائية. وهذا الشكل من التراخيص يعد الباب الخلفي الذي تمر منه الأسلحة إلى مناطق الحظر، من اليمن إلى ليبيا، ومن هناك إلى السودان. إن وجود محركات بريطانية داخل آليات إماراتية من نوع “نمر أج بان” التي استُخدمت من قبل قوات الدعم السريع، ليس مصادفة عابرة، بل نتيجة مباشرة لسياسات تصدير متساهلة تحوّل السلاح من سلعة وطنية إلى أداة في صراعات الآخرين

المؤلم في هذه القصة أن بريطانيا نفسها كانت حاضرة في اجتماعات مجلس الأمن التي حذّرت من تحويل السلاح إلى السودان، لكنها تجاهلت التحذيرات واستمرت في منح تراخيص تصدير لدولة تعلم جيدا أنها تورّطت سابقا في نقل الأسلحة إلى مناطق نزاع، هنا لا يعود السؤال تقنيا أو قانونيا، بل أخلاقيا: كيف يمكن لدولة تدّعي الدفاع عن القانون الدولي أن تساهم  ولو بشكل غير مباشر،في إطالة أمد حرب تمزق بلداً فقيرا يئن تحت المجاعة والنزوح والموت؟

إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد مأساة داخلية، بل امتحان حقيقي لضمير العالم، فحين تقتل أم وهي تحاول إرضاع طفلها، لا يمكن لأي بيان بريطاني أو أممي أن يغسل دمها، وحين تستخدم معدات مصنّعة في ويلز لقتل مدنيين في أم درمان، فذلك يعني أن خطوط الإنتاج في أوروبا لم تعد تصنع فقط الآلات، بل تصنع المآسي أيضا، في النهاية، لا تحتاج القصة إلى كثير من التحليل بقدر ما تحتاج إلى مواجهة صريحة مع الحقيقة: الغرب لا يبيع السلاح فحسب، بل يبيع معه صمته

وكل رصاصة خرجت من بندقية الدعم السريع ربما بدأت رحلتها من مصنع أنيق في لندن، تحت شعار “التجارة الحرة”، وانتهت في صدر إنسان لا يعرف لماذا أصبح هدفًا في حربٍ لا ناقة له فيها ولا جمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى