
فيلم “راضية”… حين تهمس السينما المغربية بلغة الحلم الأبيض والأسود
♦مصطفى الــأبيض
“راضية”… حين تهمس السينما المغربية بلغة الحلم الأبيض والأسود في زمن تعلو فيه ضوضاء الصورة، وتتصارع الألوان على الشاشة من أجل إثارة العين قبل الفكر، تأتي المخرجة خولة أسباب بن عمر” لتخالف الموجة، وتهمس لنا بفيلمها الجديد “راضية” بلغة الأبيض والأسود، كأنها تقول: لا حاجة لكل هذا البهرجة… الحكاية وحدها تكفي.
الفيلم الذي قُدم عرضه ما قبل الأول مساء الجمعة 11 يوليو الجاري بالعاصمة الاقتصادية ، لا يطمح فقط إلى شد انتباه المتلقي، بل يدعوه إلى الغوص في الذات، إلى التأمل، إلى الإنصات إلى صدى الجرح الإنساني حين يكون انثويا و داخليا، وحميما إلى حد الانكشاف، من خلال “راضية”، تواصل بن عمر بناء مشروعها السينمائي، الذي لا يهادن التوقعات، بل يراهن على التماس الحافة: حافة الإحساس، حافة اللغة البصرية، وحافة الموضوعات التي لا تُقال بسهولة
المرأة، مرة أخرى، في صميم هذا الجدل الفني ، لا باعتبارها كائنا روائيا أو رمزا، بل باعتبارها سؤالا مفتوحا على الخوف والرغبة والتصالح، صوتان نسائيان، راضية وعائشة، يتناوبان على الحكي، لا ليرويا قصة بالمعنى التقليدي، بل ليستكشفا كما المرآة، انعكاس الذات في مرآة أخرى، كل واحدة تسائل ذاتها والعالم، تسعى إلى تطهير ما تراكم من ألم، من خيبات، من صمت طويل ظل يتردد بين جدران القلب
اختيار الأبيض والأسود لم يكن ترفا بصريا، بل موقفا وجوديا كما عبّرت المخرجة نفسها، الأبيض والأسود هنا ليس حيادا، بل تمردا على الزمن والمكان، على الواقعية الزائفة، وعلى كليشيهات “الإثارة البصرية”، إنه عودة إلى الجوهر، إلى النور والظل و إلى الحياة كما قد تراها عينٌ تحاول أن تحلم في عالم يخنق الأحلام، فاز الفيلم بجائزة “أفضل إخراج” في مهرجان خريبكة، ولاقى إشادة في مهرجان القاهرة السينمائي، في ما يشبه اعترافا بأن السينما المغربية، حين تتحرر من عقدة السوق وتفتح نافذة للبوح، فإنها تقول شيئا يستحق الإنصات
“راضية” ليس فيلما عابرا، بل تجربة، ربما لا تناسب من يطلب “الحكي السهل”، لكنها بالتأكيد ستلامس أولئك الذين اعتادوا أن يسيروا في الممرات المعتمة لقلوبهم، ويبحثون عن الضوء خلف كل عتمة..
فهل سيكون الجمهور المغربي “راضيا” عن “راضية”؟-
ذلك سؤال تتركه خولة أسباب بن عمر مفتوحا، كما تترك كاميرتها تتأمل… ربما أكثر مما تصور
