من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
الاقتصاد

لهاث محموم وراء اللحم.. حين يصبح اللحم أغلى من الوطن

في خطوة غير مسبوقة تعبر عن حسّ وطني راقٍ واستشراف مسؤول للمستقبل، وجّه الملك محمد السادس دعوة صريحة للمغاربة إلى عدم إقامة شعيرة عيد الأضحى هذه السنة، لم تكن الدعوة دينية بقدر ما كانت اجتماعية، إنسانية، ووطنية بامتياز. فجلالته يرى ما لا يراه الكثيرون، ويدرك أن استمرار العادة في ظل أزمة غير مسبوقة سيكون ظلما اجتماعيًا صامتًا، ودفعا للفئات الهشة نحو الهاوية. تراجع القطيع الوطني، توالي سنوات الجفاف، ارتفاع أسعار العلف والماشية، كلها عوامل تجعل من الأضحية عبئًا لا شعيرة، ومع ذلك، يتسابق الناس سباقا “فومبيريا” نحو الأسواق، يُنفقون ما لا يملكون، يقترضون وييستدينون ، فقط ليبدو العيد “كأنه” عيد، ولو على حساب الكرامة والواقعية. هذا التهافت المحموم، وهذا اللهاث و”اللهطة” وراء اللحم، ليس فقط استخفافا بنداء ملكي واضح، بل هو إهانة صريحة لمعنى الوطنية،فحب الوطن لا يُقاس باللحم المشوي، ولا بالتجميد الجماعي، ولا بالمظاهر الخادعة التي تسعى فقط لإرضاء نظرة الجار أو العائلة، حب الوطن يُقاس بمدى استعدادنا للتجرد من الأنانية، لتغليب المصلحة العامة على النزوات العابرة. ما نشهده اليوم من فوضى اجتماعية في التعامل مع قرار سيادي حكيم، يكشف عن هشاشة الوعي الجماعي، ويطرح استفهامات ثقيلة على دور الأحزاب، والجمعيات التي تاخذ الدعم من أموال الشعب ودافعي الضرائب دون أن يكون لها دور حقيقي على أرض الواقع، والمؤثرين، والمثقفين، أين أصوات العقل؟ أين خطاب التوعية؟ أين المبادرات التي تشرح للمغاربة أن الاستجابة لنداء الوطن أسمى من أي مظاهر زائفة؟ لقد أصبح بعضنا يتصرف وكأنه في معركة من أجل “الوجاهة”، لا من أجل النجاة المشتركة، تحولنا إلى مستهلكين جشعين لا يرون في الأضحية إلا لحماً، ولا في الوطن إلا مسرحاً لطقوس موروثة، حتى وإن كان ثمنها هو المزيد من الانكسار الطبقي. في هذا العيد، لم يكن المطلوب أن نذبح كبشا، بل أن نذبح أنانيتنا، أن نرتقي إلى مستوى اللحظة، ونُثبت أن المواطن الحقيقي ليس من يُشعل النار في الشواية، بل من يُشعل الوعي في من حوله. 

بقلم: محمد خرطوف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى