
أوكايمدن يفتح مراعيه من جديد.. «أكدال» و«العزيب» يستعيدان طقوسهما العريقة
برقاش
أوكايمدن – إقليم الحوز | 10 غشت
2026 منذ حوالي الساعة التاسعة صباحا، عادت هضبة أوكايمدن، اليوم الاثنين 10 غشت، إلى استقبال الرعاة وقطعان الماشية، معلنة انطلاق موسم الرعي لسنة 2026، في إطار الموسم التقليدي الذي يحمل هذه السنة شعار «أكدال أوكايمدن والعزيب».
ومنذ الساعات الأولى للصباح، بدأت ملامح الموسم تظهر في فضاء الهضبة، مع وصول الرعاة وقطعان الأغنام والماعز والأبقار، في موعد يرتبط محلياً باليوم السابع عشر من السمايم، ويشكل محطة أساسية في الدورة الرعوية السنوية لسكان المناطق الجبلية.
حين يتحول العرف إلى قانون لحماية الطبيعة قبل أن يكون «أكدال» مناسبة لفتح المراعي، فهو في جوهره نظام تقليدي لتدبير المجال الرعوي. فطوال فترة الإغلاق، تُمنع الماشية من ولوج المراعي، حتى تتاح للنباتات والأعشاب فرصة النمو واستعادة الغطاء النباتي.
وعند حلول الموعد المتعارف عليه، يُرفع الحظر وتفتح المراعي أمام ذوي الحقوق. وفي أوكايمدن، جرى العرف على إغلاق المرعى ابتداءً من 15 مارس وفتحه في 10 غشت، وهي قاعدة ظلت متداولة داخل المجتمع المحلي دون الحاجة إلى قوانين مكتوبة أو قرارات موسمية جديدة.
وهنا تكمن أهمية «أگدال»: عرف محلي قديم يقوم بوظيفة بيئية واقتصادية واجتماعية في آن واحد. أوريكة وغيغاية.. مجال رعوي تحكمه أعراف متوارثة يرتبط المجال الرعوي لأوكايمدن تاريخياً بذوي الحقوق المنتمين إلى أوريكة وغيغاية، حيث تنظم الأعراف المحلية طرق الانتفاع بالمراعي وتحدد قواعد الاستغلال.
ومع اقتراب موعد فتح المرعى، تتحرك القوافل الرعوية عبر المسالك الجبلية، لتصل إلى الهضبة رفقة قطعانها، في رحلة موسمية ظلت جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الجبلية.
ولا يقتصر هذا الموعد على الجانب الرعوي، إذ يرتبط بوصول الرعاة وتنظيم لقاءات وطقوس جماعية تعرف محلياً باسم «أنموگار»، وهي مناسبة تتيح التواصل وتجديد العلاقات واستحضار الذاكرة الجماعية. العزيب.. عندما يصبح الجبل موطناً موسمياً ومع بداية موسم الرعي، تنتقل بعض الأسر إلى الهضبة للإقامة خلال الموسم داخل العزيب
. وتشكل هذه العزب تجمعات سكنية موسمية صغيرة نشأت تاريخياً بالقرب من المراعي، وشُيدت بمواد مستخرجة من البيئة المحلية، خاصة الحجر وخشب العرعار. وراء بساطة هذه المنشآت، تختزن هندسة العزيب معرفة متوارثة حول كيفية التأقلم مع المناخ الجبلي واستغلال الموارد المحلية، كما تعكس نمطاً من أنماط الاستقرار الموسمي المرتبط بالرعي. منظومة تراثية ما زالت حية ما يجري اليوم في أوكايمدن لا يمكن اختزاله في مجرد افتتاح لموسم الرعي.
إنه استمرار لمنظومة ثقافية واجتماعية متكاملة، تتداخل فيها الأعراف الأمازيغية، والتدبير الجماعي للمراعي، والهجرة الرعوية الموسمية، والعمارة الجبلية، والاحتفال الجماعي. «أكدال» يحمي المرعى، و«العزيب» يحتضن الأسر والرعاة، بينما يمنح «أنموگار» للموسم بعده الاجتماعي والثقافي.
وبذلك تستعيد أوكايمدن، مع كل موسم جديد، جزءاً من ذاكرتها القديمة؛ ذاكرة الإنسان الجبلي الذي عرف كيف ينظم علاقته بالأرض، وكيف يستفيد من مواردها دون أن يفقد التوازن معها. ففي أوكايمدن، لا يفتح المرعى أبوابه للماشية فقط، بل تُفتح معه صفحة جديدة من ذاكرة الأطلس الكبير.