** مصطفى الابيض
ليست قصيدة “النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها” مجرد أبيات من الزهد تتردد على الألسن في المجالس أو على صفحات الكتب، هي نص تأملي عميق يضع الإنسان أمام أكثر الأسئلة إرباكا في رحلته الوجودية:
لماذا يتعلق قلبه بعالم يعلم يقينا أنه زائل؟
وكيف يمكن لعقله أن يدرك حقيقة الفناء، بينما تظل نفسه مشدودة إلى البقاء وكأن الموت لن يطرق بابها أبدا؟
إن قوة هذه القصيدة تكمن في قدرتها على اختراق أعماق النفس الإنسانية، حيث تلتقي العقيدة بعلم النفس والفلسفة بالإيمان والتجربة الإنسانية باليقين الديني، يفتتح سيدنا علي كرم الله وجهه قصيدته بصورة تكاد تختصر مأساة الإنسان منذ بدء الخليقة؛ فالنفس تبكي على الدنيا، مع أنها تعلم حقيقتها، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى التي تحدث عنها القرآن الكريم في أكثر من موضع، فالإنسان يعلم أن الحياة الدنيا قصيرة، وأن الموت حق وأن الآخرة هي دار القرار، لكنه يعيش وكأن الزمن قد منح له صكا بالخلود
وهذا التناقض بين المعرفة والسلوك هو جوهر الصراع الداخلي الذي يرافق الإنسان طوال حياته، فالعقل يدرك والقلب يتعلق والنفس تنازع، والهوى يزين، حتى يصبح الإنسان أسير أوهام الاستمرار في عالم لا يعرف سوى قانون الزوال، غير أن العبارة التي تقول: “أن السلامة فيها ترك ما فيها” كثيرا ما أسيء فهمها، حتى ظن بعض الناس أنها دعوة إلى الانقطاع عن الحياة واعتزال المجتمع وترك أسباب الرزق والعمل. بينما الفهم الإسلامي المتوازن يؤكد أن الزهد لا يعني هجر الدنيا، وإنما هجر عبودية الدنيا
فالإسلام لم يأت ليحول الإنسان إلى ناسك يفر من الأرض، وإنما جاء ليجعله خليفة يعمرها بالعدل والعلم والعمل والإحسان، دون أن يجعلها أكبر همه ولا مبلغ علمه، ولذلك كان الأنبياء يعملون ويتاجرون ويحكمون ويبنون الحضارات، لكن قلوبهم بقيت معلقة بالله لا بما في أيديهم، وعندما ينتقل النص إلى قوله: “لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها”، فإنه لا يتحدث عن البناء بالحجارة، وإنما عن البناء بالأعمال، فكل موقف يتخذه الإنسان، وكل كلمة ينطق بها وكل إحسان يقدمه أو ظلم يرتكبه، إنما يضع به لبنة في داره الأبدية
إنها صورة أخروية تجعل الحياة كلها ورشة بناء مفتوحة، يبني ويشيد فيها مصيره في العالم الآخر، ومن هنا يصبح الزمن أغلى ما يملك الإنسان، لأن كل لحظة تمر لا تعود، وكل عمل يسجل، وكل أثر يبقى شاهدا لصاحبه أو عليه، وتأخذ القصيدة بعدا تاريخيا عندما تتساءل: “أين الملوك التي كانت مسلطنة”، إنه سؤال لا يبحث عن إجابة، لأن التاريخ نفسه هو الجواب، لقد تعاقبت الإمبراطوريات، وسقطت العروش، وغابت أسماء كانت تملأ الدنيا رهبة وسلطانا، ولم يبق منها سوى أخبار تتداولها الكتب، وهنا يتساوى الملك والفقير أمام الحقيقة الوحيدة التي لا تستثني أحدا، وهي الموت
فالسلطة لا تؤجل الأجل، والثروة لا تشتري الخلود، والقوة لا تمنع الإنسان من أن يعود إلى التراب الذي خلق منه، ثم تبلغ القصيدة ذروة نقدها للنفس البشرية في قولها: “أموالنا لذوي الميراث نجمعها”، فكم من إنسان أفنى عمره في جمع المال، معتقدا أن امتلاكه يعني امتلاك الأمان، فإذا به يرحل تاركا كل ما جمعه لغيره، فالإسلام لا يحرم الغنى،لكن يبارك المال إذا كان وسيلة للخير والإعمار والإنفاق في سبيل الله. لكنها تدين تحوله إلى غاية تستعبد الإنسان، فيصبح المال مالكا لصاحبه بدل أن يكون صاحبه مالكا له
ومن زاوية علم النفس، تقدم القصيدة قراءة دقيقة للبنية الداخلية للإنسان، فهي تكشف أن أكبر معركة يخوضها ليست مع الآخرين، وإنما مع نفسه، فالنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوة والراحة وطول الأمل، بينما يدعوها الإيمان إلى المجاهدة والانضباط وتأجيل اللذة من أجل غاية أسمى. وهذا الصراع هو الذي أشار إليه القرآن الكريم في حديثه عن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، باعتبارها مراحل في رحلة الإنسان نحو التزكية والكمال الروحي
وتبرز القصيدة كذلك أن الأخلاق جوهر الإيمان وحقيقته العملية، فحين تعدد مكارم الأخلاق من الدين والعقل والعلم والحلم والجود والصبر، فإنها تؤكد أن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يكون، ولذلك فإن الحضارات لا تنهض بكثرة الأموال وحدها، وإنما ترتفع بقيم العدل والرحمة والصدق والأمانة، وتسقط حين تتحول القوة إلى ظلم، والعلم إلى غرور، والمال إلى وسيلة للهيمنة والاستغلال، أما وصف الجنة في ختام القصيدة، بما فيها من أنهار اللبن والعسل والرحيق، فلا ينبغي أن يقرأ بوصفه مجرد تصوير لنعيم مادي،وانما باعتباره لغة رمزية تقرب إلى العقل البشري حقيقة تفوق قدرته على التصور
فالقرآن الكريم يؤكد أن ما أعده الله لعباده الصالحين أعظم مما تتخيله النفوس أو تدركه الأبصار، وأن النعيم الحقيقي هو القرب من الله، والطمأنينة التي لا يعكرها خوف ولا حزن ولا فناء، إن القيمة الحقيقية لهذه القصيدة تكمن في أنها لا تدعو الإنسان إلى احتقار الدنيا، وإنما إلى فهمها على حقيقتها، فهي ليست سجنا لمن أحسن العيش فيها، وليست جنة لمن جعلها غايته، وإنما ميدان اختبار تتجلى فيه حرية الإنسان ومسؤوليته واختياراته، إنها دعوة إلى أن يعمل الإنسان لدنياه كمن يعيش طويلا، ويعمل لآخرته كمن يرحل غدا، وأن يجعل النجاح المهني والعلمي والاقتصادي جسرا إلى خدمة الإنسان وعمارة الأرض، لا وسيلة للكبر والاستعلاء
وهكذا تبقى هذه القصيدة، مهما اختلف الباحثون في صحة نسبتها إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واحدة من أبلغ النصوص التي خاطبت ضمير الإنسان، لأنها تذكره بأن العمر رحلة قصيرة، وأن القيمة الحقيقية للحياة لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها، ولا بحجم الثروة التي جمعها، ولا بالمناصب التي تقلدها، وإنما بالأثر الذي تركه، والرحمة التي نشرها، والعدل الذي أقامه، والإيمان الذي حمله في قلبه، والعمل الصالح الذي سيجده بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.