من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

:المقال الثالث : الملف تحت المجهر من منطوق الحكم إلى إجراءات التنفيذ

الحلقة الخامسة

عندما تعجز الحدود عن رسم العقار

بعد أن بينت في الحلقة السابقة التناقض في المساحات، أنتقل اليوم إلى عنصر أكثر أهمية، وهو الحدود، لأن المساحة قد تختلف بالتقدير، أما الحدود فهي التي تمنح العقار شخصيته القانونية، وهي التي يعتمد عليها المهندس الطبوغرافي لرسم العقار وتحديد موقعه على الأرض.

وقبل الحديث عن الاختلاف، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن مأمور التنفيذ والخبير كانا يتحدثان عن المكونات نفسها، وإن اختلفا في ترتيبها. فما سماه مأمور التنفيذ البقعة الثانية، وهي التي توجد بها مواد البناء والمنزل والبئر، هو نفسه ما سماه الخبير الجزء الأول. وما سماه مأمور التنفيذ البقعة الأولى، وهي الأرض الفلاحية التي تضم ستة أصول من الزيتون، هو نفسه ما سماه الخبير الجزء الثاني. غير أن الاتفاق انتهى عند هذا الحد.

فمأمور التنفيذ وصف البقعة الأولى بأنها أرض فلاحية بها ستة أصول من الزيتون، وقدر مساحتها بحوالي 3000 متر مربع، وحدد حدودها الأربع كاملة على الشكل التالي: شرقًا: طالبة التنفيذ خديجة أمزيل. شمالًا: طالبة التنفيذ لطيفة أمزيل. غربًا: طالبة التنفيذ لطيفة أمزيل. جنوبًا: الطريق. أما الخبير، فقد اعتبرها الجزء الثاني، ووصفها بأنها: > “عبارة عن أرض فلاحية محروثة بها ستة أصول من الزيتون، مساحتها عبرتين زريعة تقريبًا.” لكنه لم يذكر إلا حدين فقط: جنوبًا: الطريق والمصرف. قبلة: طالبة الإجراء.

أما الحدان الآخران فلم يرد لهما أي ذكر. ثم وصف مأمور التنفيذ البقعة الثانية بأنها تضم المنزل والبئر ومواد البناء، وقدر مساحتها بحوالي 1000 متر مربع، وحدد حدودها الأربع كاملة كما يلي: شرقًا: الطريق. جنوبًا: الطريق. غربًا: المنفذ عليه. شمالًا: المنفذ عليه.

أما الخبير، فقد اعتبرها الجزء الأول، ولم يحدد لها أي مساحة، وإنما اكتفى بذكر: قبلة: المصرف. غربًا: المنفذ عليه. جنوبًا: الطريق والمصرف. ولم يذكر الحد الرابع إطلاقًا. ومن خلال المعاينة الميدانية – بحسب ما تتمسك به الجهة المعترضة – فإن الجزء الذي توجد به مواد البناء لا يمثل سوى حوالي 200 متر مربع، بينما بقية البقعة، التي يرجع أصلها إلى حوالي 1500 متر مربع، مستغلة من طرف طالبات الإجراء وعلى الشياع بينهن. وهذه معطيات تطرحها الجهة المعترضة وتبقى محل تقدير المحكمة. وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها.

فإذا كانت البقعة الأولى عند مأمور التنفيذ محددة بحدودها الأربع، فلماذا أصبحت عند الخبير لا تتوفر إلا على حدين فقط؟ وإذا كانت البقعة الثانية عند مأمور التنفيذ محددة كذلك بحدودها الأربع، فلماذا اكتفى الخبير بثلاث جهات فقط دون ذكر الحد الرابع؟ إن أي مهندس طبوغرافي يعلم أن تحديد العقار لا يتم بالمساحة وحدها، بل بالحدود الكاملة التي تسمح برسم شكله وتحديد موقعه بالنسبة للعقارات المجاورة.

فإذا كانت الأرض الفلاحية لا تتوفر إلا على حدين، والجزء المبني لا يتوفر إلا على ثلاثة حدود، فكيف يمكن رسم هذين الجزأين على تصميم طبوغرافي؟ وكيف يمكن معرفة أين يبدأ كل جزء وأين ينتهي؟ وهل يكفي ذكر جهتين أو ثلاث جهات فقط لتحديد عقار يمكن التنفيذ عليه؟ إن هذه ليست مجرد ملاحظات شكلية، بل تتعلق بجوهر التنفيذ، لأن التنفيذ لا يقع على أوصاف عامة، وإنما يقع على عقار محدد تحديدًا دقيقًا.

ولهذا فإن اختلاف المنفذ والخبير لم يعد يقتصر على المساحة أو ترتيب الأجزاء، بل أصبح يمس هوية العقار وحدوده وإمكانية تحديده ميدانيًا.

ويبقى السؤال الأكبر إذا كانت الحدود الواردة في تقرير الخبرة لا تكفي لرسم العقار أو تحديده طبوغرافيًا، وإذا كان مأمور التنفيذ والخبير قد قدما وصفين مختلفين في الحدود والمساحات والتقسيم، فأي عقار كان محل التنفيذ فعلًا؟ وهل اقتصر التنفيذ على العقار الذي شمله الحكم، أم امتد إلى عقار أو أجزاء لم يشملها السند التنفيذي؟ هذا ما سنكشفه في الحلقة السادسة، عندما نضع منطوق الحكم، ومحضر التنفيذ، وتقرير الخبرة في مواجهة مباشرة، لنجيب عن السؤال الحاسم: “هل نُفذ الحكم على العقار المحكوم به أم على عقار آخر؟”

الحلقة السادسة

عندما يصمت الحكم. فمن أين جاءت تفاصيل التنفيذ؟

بعد قراءة الحكم الابتدائي والقرار الاستئنافي، يلاحظ القارئ أن المحكمة ناقشت واقعة انتزاع الحيازة، واستندت إلى تصريحات المشتكيتين والشهود، وانتهت إلى تأييد الحكم القاضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه. غير أن المثير للانتباه هو أن الحكم، عند مناقشته لوقائع النزاع، لم يكن يتحدث عن العقار بالصورة التي ظهر بها لاحقًا أثناء التنفيذ.

فمن خلال الوقائع الواردة بالحكم، صرحت المشتكية لطيفة أمزيل بأنها تتحدث عن بقعة فلاحية مساحتها حوالي 1000 متر مربع، بينما صرحت خديجة أمزيل بأنها تتحدث عن بقعة فلاحية مساحتها حوالي 2000 متر مربع.

إذن، حتى داخل الوقائع التي ناقشها الحكم، كان الحديث يدور حول بقعة فلاحية تختلف مساحتها بحسب تصريحات كل واحدة منهما، ولم يرد بالحكم أن الأمر يتعلق بعقار يضم منزلًا أو بئرًا أو مواد بناء، ولم يناقش الحكم جردًا أو إحصاءً لمواد البناء أو منقولات.

كما أن منطوق الحكم، كما هو ثابت، قضى بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه ولم يتضمن أوامر بطرد أو إفراغ أو جرد للمنقولات. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف انتقل التنفيذ من بقعة فلاحية كانت محل مناقشة أمام المحكمة، إلى تنفيذ شمل منزلًا وبئرًا ومواد بناء، كما يظهر من محضر التنفيذ؟ ويزداد هذا التساؤل أهمية عندما يلاحظ أن التنفيذ وُجه ضد محمد أمزيل، في حين تتمسك الجهة المعترضة بأن عبد الحق أمزيل هو الذي يستغل الجزء الذي توجد به مواد البناء منذ سنة 2009، وأنه يتوفر على شهادة عدلية لإثبات التصرف.

وهذه منازعة واقعية وقانونية قد يكون لها أثرها، ويبقى تقديرها من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

وهنا يصبح السؤال القانوني مطروحًا بإلحاح:

هل اقتصر التنفيذ على ما ناقشه الحكم وقضى به، أم امتد إلى عناصر ووقائع لم يتناولها السند التنفيذي؟

هذا هو السؤال الذي يجعل دراسة ملف التنفيذ ضرورة، لأن احترام منطوق الحكم لا يقاس فقط بوجود حكم، وإنما أيضًا بمدى التزام إجراءات التنفيذ بحدوده ونطاقه.

رابط المقال الرابع 

https://ar.decouvrezmaroc.com/4662.html

رابط افيديو كاملا 

https://youtu.be/tdNILUY9UnM?si=mIHgm1B_HkmtCKiz

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى