** مراكش/ مصطفى الابيض
في ليلة بهية من ليالي الحمراء، حيث يتعانق سحر التاريخ بعبق الإبداع المعاصر، وتتحول ركاح المسرح إلى مختبرات حية تشرح النفس البشرية وتعيد تركيبها، تفتتح المدينة الألفية دورتها الثالثة من “مهرجان مسرح مراكش الثقافي”، وتحت شعار يحمل كبرياء الاستمرار ونبض التجدد: “ديناميات الإبداع… استمرارية العطاء”، وبدعم من المجلس الجماعي لمدينة مراكش، يستعد فضاء دار الشباب “عرصة الحامض”، مساء اليوم الجمعة 10 يوليوز 2026 ابتداء من الساعة السابعة والنصف، لاحتضان العرض المسرحي الاستثنائي “بلا بلاصتي”
هذا العمل الكبير يتسامى ليكون أشبه بمعادلة كيميائية دقيقة صاغتها أنامل المبدعين، لتمزج بين صرامة الفكر التحليلي الممنهج وعمق التعبير الأدبي المنساب، مانحة جمهور مراكش لوحة فنية متكاملة الأركان البصرية والروحية، المسرحية التي أخرجها بكثير من الشاعرية والرؤية الفلسفية المخرج “الادريسي المخلوفي المهدي”، وبنيت عوالمها على نص ألفته الكاتبة “لبنى تشي”، تبدو من خلال ملصقها الفني أشبه برحلة ميتافيزيقية تطوع الضوء والظل؛ حيث يتوسط الخشبة جسد يحاور أطيافا هلامية متطايرة، كأنها تترجم صراع الذات المعاصرة مع الوجود والبحث عن “المكان” والبوصلة
ولم يكن هذا الألق ليتحقق لولا تضافر “مختبر علمي وفني” متكامل؛ تجسد في الأداء التشخيصي العالي لكل من الادريسي المخلوفي المهدي، لبنى تشي، دعاء توغرام، نجيب الأطرش، وسكينة بن هروس، هؤلاء الفنانين حولوا الكلمة المكتوبة إلى طاقة حركية دافقة، تساندهم في ذلك “سينوغرافيا” محكمة نسجت خيوطها دعاء توغرام، وديكور يحاكي الأبعاد النفسية صممه بدر الدين آيت ابيه، بينما تكللت الأجواء بملابس معبرة صاغها نجيب الأطرش، ومحافظة عامة قادها عثمان الادريسي المخلوفي، وتحت إيقاعات موسيقى وإضاءة متموجة تولى هندستها إلياس بوتنورة لتعزف على أوتار القلوب والوجدان
إن هذا المحفل الثقافي، الذي يجدد فيه مهرجان مسرح مراكش الثقافي موعده مع عشاق الفن الرابع، يأتي ليؤكد أن المسرح ليس مجرد ترفيه، بل هو علم يعنى بجماليات التلقي، وأدب يختزل صراعات البشر، وفن يلون عتمة الواقع بنور الأمل وسحر التخييل، ومع رفع الستار الليلة في دار الشباب عرصة الحامض، تلتقي الساكنة المراكشية مع لحظة فارقة تتداخل فيها أزمنة الإبداع، لتعلن مراكش من جديد أنها ستبقى دائماً حاضنة للمواهب ومشتلا حيويا تتجدد فيه ديناميات العطاء الفني والفكري، كاشفة عن وجهها الحضاري المشرق الذي يربط بين أصالة المكان وعالمية الرسالة الإنسانية للمسرح