** محمد اباعدي
عندما أطلق ورش مدينة “تامنصورت” الجديدة كأحد أكبر المشاريع الحضرية في المغرب، صورت الخطوة كـ”يوتوبيا” واعدة قادرة على امتصاص الضغط الديمغرافي والاقتصادي عن الحاضرة المتجددة مراكش، وخلق فضاء حضري متوازن، بيئي، ومنظم يحترم كرامة الساكنة، لكن، وبعد مرور سنوات طويلة على هذا الرهان، تحول السؤال المقلق الذي طرحته الصحافة الوطنية والمحلية إلى حقيقة سوسيولوجية بارزة: هل أخطأت “العمران” حقا في هندسة هذا الورش، وهل نحن أمام مدينة تعاني سكرات تعثر مزمن؟
المعاينة التحليلية لواقع تامنصورت تكشف أن الأزمة لا تكمن في البناء أو تشييد الجدران، لكن في “فلسفة التخطيط” ذاتها، لقد سقطت المؤسسة المشرفة، وم معها السياسات الإسكانية المتعاقبة، في فخ المقاربة “الكمية والعقارية” الصرفة على حساب “الهندسة البشرية” والاجتماعية، تحولت المدينة مع توالي الأشطر، إلى ما يشبه “المراقد الكبرى” أو المدن النومية ” ، حيث يغيب النبض الحيوي وتنتفي شروط الاستقرار الذاتي والمستدام، الجذر الأول لهذا التعثر البنيوي يتجلى في غياب المفهوم المتكامل لـ”سياسة المدينة”
لا يمكن خلق حركية حضارية بمجرد توفير بقع أرضية وشقق سكنية متراصة، في وقت تفتقر فيه المنطقة إلى “الجاذبية الاقتصادية”؛ فالمدينة أنشئت دون منطقة صناعية حقيقية قادرة على توليد فرص الشغل، ودون قطب جامعي متكامل أو مرافق صحية وثقافية وترفيهية وازنة تغني الساكنة عن التبعية المطلقة لمركز مراكش، هذا الانفصام التنموي جعل القاطنين هناك يشعرون بـ”العزلة الجغرافية والاجتماعية”، وكأنهم ضحايا ترحيل ناعم نحو هوامش معزولة
أما من الناحية التدبيرية والقانونية، فقد اصطدمت طموحات المواطنين والمستثمرين أحيانا باختلالات مسطرية وإدارية تتعلق بتسوية الأوعية العقارية، أو تأخر التجهيز لبعض الأشطر والامتدادات لسنوات طوال، مما رهن مصالح المنخرطين وأدخلهم في دوامات من الانتظارية القاتلة والإحباط النفسي والاجتماعي، هذا التردد التنظيمي وضع شركة “العمران” بين مطرقة الالتزامات التجارية وسندان الواقع اللوجستيكي والبيئي المعقد، مما أفقد المشروع الكثير من مصداقيته التسويقية والجاذبية الاستثمارية. علاوة على ذلك، يبرز ضعف شبكة النقل العمومي وبنيات الربط كأحد الأسباب المباشرة لـ”موت المدينة الإكلينيكي”؛ فالمسافة التي تفصل تامنصورت عن مراكش، رغم قصرها نظريا، تحولت إلى حاجز يومي شاق في غياب خطوط نقل سريعة ومنتظمة (كخطوط الترامواي أو الحافلات عالية الجودة التي ظلت مجرد وعود في المخططات الاستراتيجية المتعاقبة)
هذا العائق اللوجستيكي حوّل المدينة من “قطب جذب مخفف للضغط” إلى عبء إضافي على قاطنيها، إن تشخيص واقع تامنصورت اليوم يضع السياسات الحضرية للوزارات والوكالات المتعاقبة أمام المرآة: إن إنقاذ هذه المدينة من مصير “الولادة الميتة” لا يمر عبر إطلاق مشاريع سكنية جديدة، لمن عبر “مخطط استعجالي لإعادة الأنسنة والحياة”. يتطلب الأمر شجاعة سياسية واستثمارية لضخ الروح في الفضاءات العامة، وتوطين الإدارات والمؤسسات الحيوية، وخلق مناطق أنشطة اقتصادية حقيقية، حتى تتحول تامنصورت من مجرد “علب إسمنتية” باردة على هوامش مراكش، إلى مدينة حقيقية تنبض بالحياة، والمواطنة، والاستقرار.