من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

الاعتداء على فلذات الأكباد..سيكولوجية الوحش الكامن خلف قناع الأبوة

** مصطفى الابيض

حينما تتأمل هذه الصور الصادمة لجسد طفل صغير لم يتجاوز ربيعه التاسع، تغطي جلده النحيل كدمات أرجوانية داكنة وجروح متفرقة، تكاد لا تصدق أن يد الآسر هي ذاتها يد الوالد التي جبلت بالفطرة على الحماية والاحتواء، إن الجروح الظاهرة على الأطراف والجسد، لا توثق فقط اعتداء جسديا وحشيا، وإنما تفضح مسخا سيكولوجيا متكاملا يعري أزمة بنيوية حادة تتداخل فيها سيكولوجية الجريمة الممزوجة بالعود، مع تفكك الروابط الروحية والأخلاقية لمفهوم “الأسرة” من منظور علم الاجتماع والسيكولوجية البشرية، فإن إقدام شخص في الثانية والأربعين من عمره، مثقل بسوابق قضائية عديدة، على ممارسة هذا النمط من السادية الممنهجة ضد فلذة كبده، لا يمكن تصنيفه ضمن خانة “أخطاء التربية” أو “الاندفاع العابر”، نحن هنا أمام تفريغ مريض لعقد الفشل الاجتماعي والنفسي؛ حيث يتحول القاصر المستضعف في المنزل إلى جدار قصير، يفرغ فيه الجاني إحباطاته المزمنة وعدوانيته المكبوتة تجاه المجتمع، هذا السلوك يعكس تشوها كاملا في غريزة الأبوة، حيث يرى الـمعتدي في ابنه “ملكية خاصة” يحق له تدميرها، بدلا من كونه أمانة إنسانية وقانونية تستوجب الرعاية إن الصدمة النفسية التي تخلفها هذه العصا الأبوية الغاشمة أشد فتكا من آثارها الجسدية؛ إذ تهدم داخل وعي الطفل مفهوم “الأمان الأول” وتزرع في وجدانه ارتيابا مزمنا تجاه العالم المحيط به ولهذا، فإن تفاعل مصالح الأمن الوطني في ولاية أمن سطات ومدينة بن أحمد بهذه السرعة والجدية الكبيرة مع ما نشر إعلاميا، يمثل نقلة نوعية في مفهوم “التبليغ الرقمي” وتحمل المسؤولية المجتمعية، لقد أثبتت المعطيات الدقيقة التي وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني أن مؤسسات الدولة باتت تمتلك رادارا حقوقيا استباقيا يرفض أن تظل جدران البيوت المغلقة غطاء لتصفية الطفولة، ولم يعد التحرك الأمني ينتظر شكاية رسمية قد لا تصدر أبدا من طفل مرعوب، بل تحركت النيابة العامة والقوات العمومية لحماية الحق الأسمى في الحياة والسلامة البدنية، بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب. ولذلك، فإن وضع هذا المختل تحت البحث القضائي، وموازاة ذلك بإخضاع الطفل الضحية فورا للمواكبة الصحية والنفسية الضرورية، خطوة صائبة في مسار العدالة الحمائية، لكنها في الوقت ذاته تضعنا جميعا، كإعلاميين ومجتمع مدني ومؤسسات، أمام تحدٍ أخلاقي حارق: كم من طفل يعاني الآن خلف الأبواب الموصدة في صمت؟ فالأبوة مسؤولية وأهلية نفسية وأخلاقية، ومن يجرد نفسه من إنسانيته ليس له الحق في حمل صفة “أب”، والقانون كفيل بنزع هذا القناع لتبقى الطفولة مصونة ومحاطة بهيبة الدولة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى