** مصطفى الياس
في زمن يروج فيه للحرية على أنها “انفلات” من كل قيد، يبرز المفهوم الإيماني ليقلب الطاولة على الوعي المادي الغارق في لذاته وملذاته؛ فالحرية الحقيقية ليست في أن تفعل ما تشاء، بل في ألا تستعبدك أهواؤك لتفعل ما يضرك او يضر المحيط بك ، إن “سيكولوجيا التحرر المقدس” تقوم على حقيقة وجودية صادمة: الإنسان كائن “مجبول على العبودية”، فإما أن يختار سيده الخالق الذي يكرمه، وإما أن يتخبط في دهاليز عبوديات “مجهرية” سرية او علنية، تستنزف روحه وجسده، فالتحرر من أغلال العصر من سموم التبغ، ومقامرات الحظ، والارتهان للعادات السرية الخفية التي تنهش الكرامة في الخلوات لا يبدأ بمعركة “إرادة” مجردة قد تنكسر أمام أول إغراء، وانما يبدأ بـ “امتلاء روحي” يجعل النفس تأنف القيد
حين يسجد القلب لله بصدق، تصبح تلك العادات “أصناما” محطمة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فالمؤمن “المتحقق” يرى في سيجارته أو شهوته الخفية “سجانا” يحاول سرقة وقاره الإيماني، فينتفض بـ “عزة العبودية” ليعلن استقلاله عن كل ما سوى الله، ولعل السجن الأكبر الذي نحبسه في صدورنا هو “عبودية نظرة الناس”؛ تلك الدمية التي يحركها خوفنا من “قال وقيل” أو لهاثنا خلف “تقييم البشر”، إن الإيمان هو القوة النفسية الوحيدة التي تمنحك “الحصانة” ضد أحكام المجتمع الجائرة؛ فمن امتلأ قلبه بعظمة الخالق، صغر في عينه كل مخلوق، هنا تكمن المعجزة السيكولوجية: بعبوديتك لله، تتحطم الأصنام الاجتماعية، وتتحرر من قيد “المظاهر” لتعيش جوهرك الحقيقي بلا زيف
إن “التحرر المقدس” هو أن تقول “لا” حازمة لكل شهوة مستبدة ولكل عادة تستعبد إرادتك، لتكتشف في نهاية المطاف أن انضباطك تحت كنف الخالق هو الذي جعلك “سيدا” على نفسك، وقويا أمام مغريات عالم يحاول تدجينك في حظيرة الاستهلاك والشهوات، أنت بعبوديتك لله.. حر مما سواه