نفحات رمضانية : الجزء3
في عمق التاريخ الإسلامي، تتجلى ملحمة فريدة لم تكتب بحد السنان ولا بوقع الخيول، بل سطرت بأمانة التجار وصدق المعاملة في أقصى بقاع الأرض، وتحديدا في أرخبيل الملايو وجزر إندونيسيا، حيث نجد النموذج الأسمى للدين الإسلامي بعيدا عن “الترسبات ” التي ربطت الانتشار بالقوة العسكرية وحدها، إن هؤلاء التجار المسلمين، الذين أبحروا من حضرموت وعمان والخليج، لم يحملوا معهم بضائع التوابل والحرير فحسب، بل حملوا “الإسلام المتحرك” في سلوكهم اليومي، فكانوا قرآنا يمشي بين الناس بصدق حديثهم وإيفائهم بالكيل والميزان، وترفعهم عن الغش والخديعة التي كانت تنهك التجارات القديمة
لقد وقف سكان تلك الجزر مبهورين أمام “أخلاق القوة” التي جسدها التاجر المسلم؛ فهو لا يغدر، ولا يستغل حاجة المحتاج، ولا يفرق في عدله بين الغني والفقير، مما جعل قلوبهم تنفتح لهذا الدين قبل عقولهم، مدفوعين بسؤال جوهري: “أي عقيدة هذه التي تجعل من مصلحة الغريب مقدسة كمال صاحبها؟”
إن الفتوحات الحقيقية في شرق آسيا كانت فتوحات “أخلاقية” بامتياز، حيث سقطت حصون الوثنية والطبقية أمام جلال “الأمانة”، فاعتنقت ملايين النفوس الإسلام طواعية وحبا، محطمين بذلك تلك “الطفيلات الفكرية” التي تروج بأن الإسلام انتشر بالسيف، أو أنه دين انغلاق وجمود، هؤلاء التجار أثبتوا أن “الدين المعاملة” ليس مجرد شعار يرفع، بل هو قوة ناعمة تخترق الحدود الجغرافية واللغوية، وأن المسلم الحقيقي هو الذي يكون “مبشرا” بصمته قبل كلامه، وبفعله قبل وعظه،
لقد بنوا مجتمعات إسلامية هي الأكبر عددا في العالم اليوم، لا عبر الجيوش المنظمة، بل عبر “جيوش القيم” التي لا تقهر، ليبقى هذا النموذج التاريخي شاهدا حيا على أن جوهر الإسلام الصافي هو بناء الإنسان وتأليف القلوب، بعيدا عن الصراعات الدموية التي حاول البعض إلصاقهابصورة هذا الدين العظيم ظلما وعدوانا