** ب.بنحماد
بينما تتجه الأنظار إلى المساجد التي تتهيأ لاستقبال جموع المصلين في تراويح يختلط فيها الخشوع بعبق البخور الأصيل، تشهد الحواضر والقرى المغربية على حد سواء غليانا اجتماعيا واقتصاديا يسبق إعلان ثبوت الرؤية، حيث يتحول شهر رمضان من منسك ديني إلى حالة استنفار وطنية شاملة تتقاطع فيها موازين الروح مع حسابات الجيوب
ففي الوقت الذي تعكف فيه الأسر على ترميم صلاتها الاجتماعية وتصفية الأجواء البينية استعداداً لخلوة إيمانية، تدب حركية غير مسبوقة في الأسواق التي باتت تشبه خلايا نحل لا تهدأ، مما يضع الدولة بمختلف أجهزتها الرقابية أمام محك حقيقي لضبط إيقاع الاستهلاك وضمان تدفق المواد الأساسية دون المساس بالقدرة الشرائية للمواطن المثقل أصلا بتحديات غلاء المعيشة
هذا المشهد الذي يمزج بين “القداسة” و”الاستهلاك” يعكس فرادة الشخصية المغربية التي ترفض التخلي عن طقوس المائدة مهما بلغت التحديات، وهو ما يفسر التدابير السيادية الصارمة التي باشرتها المصالح المختصة لتأمين تموين السوق ومحاربة الاحتكار، في محاولة لقطع الطريق على المضاربين الذين يرون في “لهفة رمضان” فرصة للربح السريع
بيد أن الأجمل في هذه اللوحة السوسيولوجية هو ذلك الوجه التضامني الذي يبرز بقوة من خلال مبادرات المجتمع المدني، حيث تتحول الجمعيات إلى جسور حية لنقل الدعم إلى الأسر المعوزة، في مشهد يكرس مفهوم “الأمن الغذائي التضامني” ويجعل من قفة رمضان صمام أمان يرمم الفوارق الطبقية ولو لحين
إن الاستعداد لرمضان في المغرب اليوم يتجاوز حدود التموين الغذائي ليطرح أسئلة عميقة حول الوعي الاستهلاكي والسلوك الحضاري؛ إذ يبرز التحدي الأكبر في كيفية الموازنة بين الحفاظ على الهوية الثقافية الغنية بالأطباق والتقاليد، وبين مقتضيات الترشيد والزهد التي هي جوهر الصيام
وبينما تستعد المآذن لرفع نداءات التراويح، تظل الآمال معقودة على أن تنجح هذه التعبئة الشاملة في جعل الشهر الفضيل محطة للإصلاح الذاتي والجماعي، حيث تلتقي طمأنينة الروح مع استقرار الأسواق، لتشكل في النهاية ملحمة اجتماعية مغربية بامتياز، تبرهن على قدرة هذا المجتمع على التجدد والتماسك في مواجهة كل المتغيرات