** محمد خرطوف
ليس من قبيل الصدفة أن يقف المواطن المغربي مذهولا أمام مشاهد التدخل البطولي لجهاز الدرك الملكي وباقي الأجهزة الأمنية في فيضانات الشمال أو زلازل الأطلس؛ فالمفاجأة هنا هي نتاج “صدمة الوعي” بجهاز كان يشتغل في الظل، بعيدا عن بريق الاستعراض، ليظهر في كامل أناقته المهنية وقت الشدة، إن ما نعيشه اليوم هو تجسيد حي لعقيدة “الدق والسكاات”، تلك الفلسفة التي يتبناها المغرب في بناء قوته السيادية: إنجازات ضخمة، تكنولوجيا متطورة، وتخصصات دقيقة، يقابلها صمت إعلامي مطبق لا يكسره إلا صوت المروحيات وهي تنقذ الأرواح
إذا غصنا “بين السطور”، سنكتشف أن السر يكمن في تحول جهاز الدرك الملكي من “قوة عمومية” كلاسيكية إلى “مؤسسة استراتيجية شاملة”،حين نرى فرقة “الضفادع” تقتحم السيول في القصر الكبير، وفرق الإنقاذ الجوي تلامس قمم الجبال، ومختبرات تسيير الأقمار الصناعية تراقب أدق التفاصيل، فنحن أمام “جيش تكنولوجي” متكامل، المغرب لم يختر مسار “البروباغندا” وصناعة البطولات الوهمية عبر “الصور المحروقة” او المعدلة بالذكاء الاصطناعي او الفوتوشوب، بل اختار بناء “الهيبة الصامتة”، هي هيبة لا تحتاج إلى صراخ لتثبت وجودها، بل تحتاج إلى “نتيجة” على الأرض؛ خيمة تُنصب في دقيقة، وجبة ساخنة تصل إلى معزول في قمة جبل، وجاسوس يسقط في شباك اليقظة قبل أن يرتد إليه طرفه، هذا “الاستثناء المغربي” يعالج إشكالية عميقة في مفهوم الدولة الحديثة: كيف توازن بين القوة العسكرية الصارمة وبين “الأنسنة” في التدخل؟ هنا تبرز عبقرية التنسيق بين رجال الحموشي وهرمو والمنصوري والقوات المسلحة،
هو “أوركسترا” تعزف لحن الاستقرار بتناغم مذهل، وبينما ينشغل البعض في الجوار بتلميع الواجهات المهترئة، كان المغرب يرمم العمق، ويستثمر في العنصر البشري والخبرة التقنية
إن “الدق والسكاات” هي مذهب دولة آمنت بأن القوة الحقيقية هي التي يلمسها المواطن في أمنه اليومي وفي نجاته من الكارثة، وليس تلك التي يراها في شاشات التلفاز الرسمية..
إنها باختصار، قصة مملكة لا تتباهى بسيوفها، لكنها لا تنام عن غمدها.