**ديكوفري ماروك
في مراكش، لا تقاس المسافات بالأمتار، بل بـ “الأثر”؛ وفي مساء مشحون بعبق “تقييد” الأرواح على محبة الجمال، فتح الدكتور شكيب بنفضيل أبواب بيته ليكون محرابا لليلة من ليالي العمر، استدعت فيها جمعية “تراثيات مراكش” أحد حراس السر المراكشي المكنون، الحاج محمد بن العباس القسطلي البوعمري، هذا التكريم لم يكن استعادة لذاكرة غابرة، بل كان “تجليا” حيا لتقاطع النسب الشريف مع النبل الإنساني، في شخصيةٍ استمدت من الزاوية البوعمرية سكينتها، ومن أزقة المدينة العتيقة حركيتها وعطاءها، لقد بدا المحتفى به في تلك الليلة كـ “شيخِ حالٍ” قبل أن يكون “رجل مجتمع”؛ فالرجل الذي نذر وقته لخدمة “الملحون” عبر جمعية عبد الله الشليح، لم يكن يتعامل مع هذا الفن كترف فني، بل كـ “ديوان للمغاربة” يُحفظ فيه التوحيد والتمجيد والقيم، إن انغماسه في العمل الجمعوي والخيري ينم عن عقيدة متجذرة ترى في “الجاه” زكاة يجب أداؤها، وفي “الوجاهة” تكليفا لا تشريفا، مما جعله يمثل القنطرة الروحية بين جيل المؤسسين الأوائل وبين طموح الشباب المتمثل في الدكتور سليمان الجدي، لتنتقل “البركة” من يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب، ولم يكن لحن الملحون الذي شنف مسامع الحضور بقيادة الدكتور عبد الجليل الكريفة إلا صدى لهذا الترابط الوثيق؛ فبين شذرات القصيد وزفرات الناي، كان الحاضرون يقرأون في وجه الحاج البوعمري فصولا من تاريخ مراكش غير المكتوب. إنه تاريخ “الصدقة الخفية” والمواقف التي لا تبتغي غير وجه الله، وتلك “الفتوة” التي تجعل من الرجل سقفا يحتمي به الضعفاء وسندا يقوم به التراث. لقد حضرت مراكش بكل تلويناتها، من مثقفيها إلى صناعها التقليديين، لتقول إن “البوعمري” هو النسخة الحية من تلك المدينة التي ترفض النسيان، وتصر على أن يكون “الإحسان” هو اللغة الرسمية في محافلها، لتظل هذه الليلة وشماً في ذاكرة التراث المراكشي، وشاهداً على أن أهل الله هم الذين يبقون، وبذكرهم تطمئن القلوب وتزهر الأمكنة.