**محمد اباعدي
في بنسليمان، لا ترتفع اليوم جدران إسمنتية بقدر ما ترتفع طموحات بلد اختار أن يتحدث بلغة الفعل لا الشعارات،هناك، على امتداد يقارب مائة هكتار، يشيد المغرب ما يرتقب أن يكون أكبر ملعب لكرة القدم في العالم، بسعة 115 ألف متفرج، ووفق أعلى معايير الاتحاد الدولي، ليكون مؤهلا لاحتضان نهائي كأس العالم 2030،
مشروع يبدو في ظاهره رياضيا، لكن في جوهره بيان استراتيجي مفتوح بمصراعيه على المستقبل، هذا الملعب لا يراهن على الأرقام فقط، وانما على الصورة والرمز، مظلة وسقف عملاقان يلفان المركب في مشهد أيقوني، حلقة من 32 سلما كأنها بوابات لزمن كروي جديد، وحدائق مرتفعة تحلق على علو يناهز 28 مترا، تتعانق مع حدائق نباتية أرضية تحت أطراف المظلة، لتطويق المدرجات بإحساس واحة خضراء نادرة في منشآت بهذا الحجم، هنا، تستعاد العلاقة بين الرياضة والطبيعة، ويعاد تعريف تجربة المشجع باعتبارها رحلة حسية لا مجرد جلوس على مدرج، لكن الرهان الحقيقي يتجاوز المستطيل الأخضر فحول الملعب يتشكل قطب متكامل يشتغل على مدار السنة، لا ينتظر صافرة البداية ولا نهاية البطولة
ملاعب تدريب، من ألعاب القوى، قاعات رياضية متعددة، قاعة للجمباز، مسبح، فضاءات ترفيه، مركز للمؤتمرات والمعارض، فندق، ومركزان تجاريان، مدينة رياضية متكاملة، تصمم لتعيش، لا لتستعمل موسميا، ولتكون جزءا من الدورة الاقتصادية لا عبئا بعدها، أما الولوج، وهو الاختبار الأصعب في مثل هذه المشاريع، فقد جرى التفكير فيه بمنطق الاستباق لا الترقيع، محاور طرقية مهيكلة لتدبير الحشود، ومحطة سككية جديدة مغطاة قرب الموقع، بطاقة تصل إلى 12 مليون مسافر سنويا، تربط بنسليمان مباشرة بالدار البيضاء القطب الاقتصادي للمملكة ونقطة او محور التقاء الشريانات الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية ،
بالمطار، وبالشبكات الجهوية والقطارات السريعة، رسالة واضحة بأن التنظيم العالمي لا ينجح داخل الملعب فقط، بل يبدأ من الطريق المؤدية إليه، ملعب الحسن الثاني هو رهان على نموذج جديد: منشأة قادرة على الجمع بين الرمزية العالمية والمنفعة المحلية، بين البهرجة المعمارية والوظيفة اليومية، وبين حدث 2030 وما بعده، ففي بنسليمان تصاغ رؤية تقول إن المغرب لا يريد أن يمر في ذاكرة العالم كمستضيف عابر، بل كفاعل يترك أثرا، ويعرف جيدا أن كرة القدم، حين تحسن إدارتها، تصبح أكثر من لعبة… تصبح لغة دولة.