**مصطفى الابيض
المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره الكاميروني تندرج ضمن فئة المباريات التي تُحسم بالتفاصيل الدقيقة أكثر مما تُحسم بالأسماء أو التاريخ، فحين يلتقي منتخبان يملكان إرثا قاريا وثقلا تكتيكيا مختلفا، يتحول الملعب إلى مختبر حقيقي للأفكار، وتُختبر فيه قدرة كل طرف على فرض منطقه الكروي لا سمعته، المنتخب المغربي يدخل المباراة وهو محكوم بهاجس السيطرة المنظمة أكثر من الاندفاع
قوته الحقيقية لم تعد في المهارات الفردية المعزولة، بل في توازن خطوطه وقدرته على التحكم في إيقاع اللعب عبر وسط ميدان منضبط، يعرف متى يضغط ومتى يهدئ النسق
غير أن الإشكال الذي ما زال يرافق الأداء المغربي يتمثل في الفعالية الهجومية أمام المنتخبات التي تجيد إغلاق المساحات وتراهن على الكثافة البدنية، التحولات السريعة تظل سلاحًا حاسمًا للمغرب، لكن الإفراط في البناء البطيء قد يتحول إلى عبء إذا لم يدعم بجرأة في العمق وحسم أمام المرمى. في المقابل، يأتي المنتخب الكاميروني بعقليته التقليدية التي تمزج القوة البدنية بالاندفاع العمودي، “الأسود غير المروضة” لا تبرع كثيرا في الاستحواذ العقيم، لكنها خطيرة حين تُمنح المساحة أو تُستدرج إلى مباريات مفتوحة، أبرز نقاط قوة الكاميرون تكمن في الصراعات الثنائية، والكرات الثانية، والقدرة على تحويل أي خطأ دفاعي إلى فرصة حقيقية.
ومع ذلك، فإن هشاشتها تظهر كلما طال زمن المباراة دون هدف، حيث تميل خطوطها إلى التباعد، ويغيب الانضباط التكتيكي أمام خصم يجيد تحريك الكرة عرضيا واستنزاف الجهد البدني، المعركة الحقيقية في هذه المواجهة ستكون في وسط الميدان، إذا نجح المغرب في كسر الاندفاع الكاميروني عبر التمركز الذكي وتدوير اللعب بسرعة، فسيجر خصمه إلى مناطق فقدان التوازن
أما إذا فشل في تأمين مناطقه الخلفية أثناء التقدم، فإن الكاميرون لن تتردد في استغلال العمق والكرات الطويلة خلف الدفاع، هنا بالذات تتحدد ملامح المباراة: بين منتخب يسعى إلى التحكم بالعقل، وآخر يراهن على الفوضى المنظمة والقوة الخام، تكتيكيا، المباراة لا تحتمل المجازفة المبكرة، المغرب مطالب بالصبر دون الوقوع في الرتابة، والكاميرون مطالبة بالانضباط دون خنق نزعتها الهجومية، أي اختلال في التوازن سيُعاقب فورا، لأن هامش الخطأ في مثل هذه المواجهات يكون ضيقا إلى حد الاختناق، في المحصلة، ليست مباراة المغرب والكاميرون صراعا بين المفضل وغير المفضل، بل مواجهة بين مدرستين: مدرسة البناء والسيطرة، ومدرسة الصدام والسرعة
الفريق الذي يفرض منطقه دون أن يتنازل عن هويته، هو من سيخرج منتصرا، أما من يحاول اللعب خارج جلده، فسيكتشف متأخرا أن كرة
القدم لا ترحم من يسيء قراءة خصمه