من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
المرأة

سقوط الشكاية وحدود المساءلة: قراءة قانونية وسياسية في ملف رئيسة جماعة تيزي نيسلي

**مصطفى الابيض
 يعيد قرار الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، القاضي بحفظ الشكاية المرفوعة ضد البرلمانية ورئيسة جماعة تيزي نيسلي، مريم وحساة، بسبب انعدام الإثبات، طرح إشكاليات عميقة تتجاوز تفاصيل الملف نفسه، لتلامس حدود المساءلة القانونية، وطبيعة الصراع السياسي داخل الجماعات الترابية، ودور القضاء في تصفية النزاعات ذات الخلفيات الحزبية
من الزاوية القانونية، يندرج قرار الحفظ في إطار المقتضيات الصريحة للمسطرة الجنائية، التي تجعل من الإثبات ركنًا جوهريًا لتحريك المتابعة، خاصة في القضايا المرتبطة بتبديد المال العام واستغلال النفوذ، وهي جرائم لا تُبنى على الانطباع أو الخلافات السياسية، بل على وقائع دقيقة، ووثائق، وقرائن ثابتة. إحالة الملف على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، باعتبارها جهازا مختصًا في هذا النوع من القضايا، يعكس في حد ذاته جدية التعاطي القضائي مع الشكاية، ويمنح القرار النهائي مشروعيته المؤسساتية
غير أن البعد السياسي للقضية لا يقل أهمية عن بعدها القانوني، خصوصًا أن الشكاية تقدّم بها نائب لرئيسة الجماعة ينتمي إلى الحزب نفسه، ما يفتح الباب أمام فرضية الصراع الداخلي، واستخدام الآليات القضائية كأداة ضغط أو تصفية حسابات داخل التنظيمات السياسية المحلية، وهي ممارسة باتت تتكرر في عدد من الجماعات، حيث تتحول الخلافات التدبيرية أو الشخصية إلى شكايات ذات طابع جنائي، غالبا ما تنتهي بالحفظ لغياب الإثبات
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري حول أثر مثل هذه الشكايات على العمل الجماعي وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، فحتى وإن انتهت الملفات بالحفظ، فإن مجرد تداولها إعلاميا قد يخلّف أضرارًا معنوية وسياسية، ويغذي مناخ الشك العام تجاه المنتخبين، خاصة في جماعات قروية تعاني أصلًا من الهشاشة وضعف الموارد، كما هو الحال بجماعة تيزي نيسلي. من جهة أخرى، يكرس هذا القرار مبدأ أساسيا في دولة القانون، يتمثل في الفصل بين المحاسبة السياسية والمساءلة الجنائية
ففشل التدبير أو الاختلاف حول طرق التسيير لا يرقى تلقائيًا إلى مستوى الجريمة، ما لم تقترن الأفعال بأدلة قانونية واضحة. وهو تمييز ضروري لتفادي توظيف القضاء في معارك سياسية ضيقة. في المحصلة، لا يمكن قراءة قرار حفظ الشكاية فقط باعتباره انتصارا لطرف أو هزيمة لآخر، بل كرسالة مزدوجة: رسالة للقضاء مفادها أن مكافحة الفساد تمر عبر التحقيق الصارم لا عبر الاتهامات المجانية، ورسالة للفاعلين السياسيين بضرورة الارتقاء بالخلافات التدبيرية إلى فضاءات النقاش السياسي والمؤسساتي، بدل نقلها إلى أروقة النيابة العامة دون سند إثباتي متين
ويبقى الرهان الأكبر هو بناء ثقافة سياسية محلية تؤمن بأن المحاسبة الحقيقية تبدأ بالشفافية والمراقبة المؤسساتية، لا بالشكايات المتسرعة، وأن القضاء، مهما بلغت استقلاليته، لا يمكن أن يعوض غياب الفعل السياسي المسؤول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى