
فراغ مؤسساتي في المشهد الإعلامي المغربي.. حين تفقد السلطة الرابعة بوصلتها القانونية والإعتبارية
✍️محمد خرطوف
يمر المشهد الإعلامي المغربي في هذه المرحلة بواحدة من أكثر فتراته التباسا وتعقيدا، بعد أن وجد نفسه عالقا بين نص القانون وروح المهنة، في أعقاب انتهاء الولاية القانونية للمجلس الوطني للصحافة دون تجديد أو بديل مؤسسي واضح هذا الفراغ لا يمكن النظر إليه الا كازمة بنيوية تمس جوهر التنظيم الذاتي للصحافة المغربية، وتكشف هشاشة التوازن بين استقلالية المهنة وارتباطها بالمؤسسات الرسمية التي يفترض أن تحميها لا أن تقيدها،إن توقف الجهة المخولة قانونا بمنح بطاقة الصحافة المهنية عن أداء مهامها يضع المئات من الصحافيين في وضع قانوني رمادي، حيث تعلق هويتهم المهنية على أسلاك انتظار القرار السياسي، في مفارقة صارخة بين مهنة يفترض أن تراقب السلطة وسلطة تُقرر استمرار وجودها المهني في عمق هذا المشهد تتقاطع الحسابات القانونية مع الهواجس السياسية، فالمجلس الوطني للصحافة ليس مجرد هيئة تقنية تُصدر بطاقات الاعتماد فحسب، بل أصبح تجسيدا رمزيا لمحاولة الدولة المغربية نقل المهنة من وصاية السلطة التنفيذية إلى فضاء التنظيم الذاتي الحر، غير أن التجربة لم تصمد أمام اختبارات الزمن؛ فقد أظهرت السنوات الماضية أن غياب رؤية واضحة لتمويل واستقلالية القرار داخل المجلس جعل منه كيانا هشّا، معلقا بين رغبة في الاستقلال وتبعية واقعية لمراكز القرار السياسي والإداري، ومع انقضاء ولايته القانونية، لم يبرز أي توافق حول الجهة التي ينبغي أن تملأ هذا الفراغ، لتتحول البطاقة المهنية من أداة تعريف إلى محور أزمة بنيوية حول من يملك شرعية تمثيل الجسم الصحافي المغربي السيناريوهات المتداولة اليوم، من لجنة مؤقتة إلى تمديد استثنائي أو عودة مؤقتة لوصاية وزارة الاتصال، كلها تطرح سؤالا يتيما في جوهره: هل يمكن أن تستمر مهنة الصحافة في بلد دون مؤسسة شرعية تمنحها الاعتراف القانوني والمهني؟ فكل خيار من هذه الخيارات يحمل في طياته كلفة سياسية ومؤسساتية؛ فالتفويض المؤقت للجنة تقنية قد يضمن استمرارية المرفق العمومي لكنه يضعف منطق الشرعية، بينما التمديد لمجلس انتهت ولايته يُكرس مبدأ الالتفاف على القانون باسم الضرورة، أما العودة إلى الوصاية الحكومية فتمثل تراجعا عن مكتسبات ناضل من أجلها الصحافيون لأكثر من عقد من الزمن، إنها معضلة تعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة لمستقبل الإعلام الوطني، في زمن تتسارع فيه تحولات المعلومة والاتصال ما يلوح في الأفق اليوم هو أكثر من أزمة تأخير في إصدار بطاقات مهنية، إنه اختبار حقيقي لقدرة المغرب على تجديد عقد الثقة بين الدولة والإعلام،فالإصلاح التشريعي الشامل لم يعد ترفا مؤجلا، بل شرطا أساسيا لإعادة بناء مؤسسة قادرة على حماية المهنة من التسييس والتبعية، فبطاقة الصحافة تعتبر وثيقة رمزية تختصر معنى الكرامة المهنية والانتماء إلى سلطة رابعة يفترض بها أن تبقى مستقلة عن نفوذ السلطة السياسية والإدارية وبين هذا وذاك، يبدو أن المشهد الإعلامي المغربي يقف اليوم أمام لحظة مفصلية تستدعي حسما سياسيا جريئا يعيد تعريف العلاقة بين الصحافي والدولة، ويمنح المهنة إطارا قانونيا يحميها من التجميد ومن التوظيف في الوقت نفسه، حتى لا تتحول أزمة البطاقة إلى مرآة لأزمة أعمق في استقلالية الفكر والإعلام بالمغرب.