من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

دهاء الملك محمد السادس… كيف حسم معركة الصحراء المغربية بعقل الدولة ورؤية القائد

محمد خرطوف

يعتبر الملك محمد السادس واحدا من أكثر القادة العرب والأفارقة دهاء وحنكة في إدارة الملفات الجيوسياسية المعقدة، ويبرز ذلك بوضوح في الطريقة التي تعامل بها مع ملف الصحراء المغربية، وهو الملف الذي ظل لعقود يشكل محور الصراع الإقليمي في شمال إفريقيا ومصدر توتر دائم في العلاقات المغربية  الجزائرية. فبينما فشلت مقاربات كثيرة في العقود السابقة في تحقيق اختراق حقيقي، استطاع العاهل المغربي أن يحول هذا الملف من قضية نزاع إلى قضية سيادة وطنية محسومة في أعين المجتمع الدولي، من خلال رؤية استراتيجية متكاملة تمزج بين الدبلوماسية الهادئة، والتنمية الميدانية والواقعية السياسية.

فمنذ اعتلاء جلالته حفظه الله عرش أسلافه الميامين، أدرك  أن الحسم في ملف الصحراء لا يمكن أن يكون فقط بالخطاب أو بالمواقف السياسية الجامدة، بل يتطلب بناء شرعية واقعية على الأرض تقنع العالم بعدالة الموقف المغربي، لذلك، أطلق مشاريع تنموية كبرى في الأقاليم الجنوبية، جعلت من العيون والداخلة نموذجين للتنمية في القارة الإفريقية

هذه المقاربة التنموية، كانت ودائما  رسالة سياسية عميقة مفادها أن الصحراء ليست منطقة متنازع عليها، بل جزء لا يتجزأ من التراب الابدي المغربي يعيش نهضته في إطار الوحدة الوطنية. إلى جانب ذلك، اعتمدرعاه الله وسدد خطاه دبلوماسية استباقية ذكية، انتقلت من مرحلة الدفاع عن الموقف المغربي إلى مرحلة الهجوم الدبلوماسي الهادئ المدروس

فبدلا من الاكتفاء بتكرار الموقف المغربي في المحافل الدولية، عمل على بناء شبكة تحالفات استراتيجية مع دول مؤثرة في العالم العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وصولا إلى القوى الكبرى، وقد تجلت ثمار هذه السياسة في الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، وهو حدث شكل تحولا تاريخيا في مسار القضية وأعاد رسم موازين القوى في المنطقة، كما تبع ذلك اعترافات متتالية من دول أوروبية وإفريقية وعربية، وافتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يعد تأكيدا عمليا على ترسيخ مغربية الصحراء على الصعيد الدولي

لم يكن هذا النجاح ثمرة المصادفة، بل نتاج رؤية ملكية تجمع بين البعد السياسي والبعد الرمزي. فالملك محمد السادس لم يترك الملف رهين الحسابات الإقليمية أو الأهواء الدبلوماسية، بل جعله جزءا من هوية الدولة المغربية الحديثة. كما حافظ على توازن دقيق بين الحزم في الدفاع عن السيادة الوطنية والانفتاح على مسار الحل السياسي الواقعي القائم على مبادرة الحكم الذاتي، التي وصفت من قبل مجلس الأمن بأنها جدية وذات مصداقية،و بهذه الخطوة، استطاع المغرب أن يكسب تعاطفا دوليا واسعا ويضع خصومه في موقف الدفاع بدل الهجوم،

دهاء الملك  تجلى في قدرته  على تحويل الانتصار الدبلوماسي إلى رصيد معنوي يوحد الداخل المغربي، فقد أصبح ملف الصحراء عنوانا لوحدة المغاربة بمختلف فئاتهم السياسية والاجتماعية، وجسرا بين الماضي النضالي للمملكة وحاضرها التنموي،وبهذا، نجح في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن حول مشروع وطني جامع يقوم على الكرامة والسيادة والتنمية

في النهاية، يمكن القول إن الملك محمد السادس  حسم  ملف الصحراء المغربية بالعقل الاستراتيجي والرؤية البعيدة المدى، فقد استطاع أن يجعل من القضية التي كانت تقدم كعبئٍ دبلوماسي ورقة قوة تعزز موقع المغرب إقليميا ودوليا، وهكذا، دخلت الصحراء مرحلة جديدة من التاريخ، عنوانها الوضوح السياسي والسيادة المؤكدة، في ظل قيادة ملك جمع بين الحكمة والجرأة، وكتب فصلا جديدا في مسار الدولة المغربية الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى