
سد أوكايمدن التلي.. معلم مائي وسط جبال الأطلس الكبير
برقاش عبد العزيز
في أعالي جبال الأطلس الكبير، وعلى مقربة من منتجع أوكايمدن بإقليم الحوز، يبرز سد تلي صغير وسط مشهد طبيعي تغلب عليه الصخور والمرتفعات والمراعي الجبلية
. ورغم بساطة المنشأة مقارنة بحجم السلاسل الجبلية المحيطة بها، فإنها تشكل عنصراً لافتاً في المنظومة الطبيعية والمائية للمنطقة
. ويحتفظ هذا الخزان بمياه تتجمع بفعل التساقطات التي تعرفها المرتفعات، إلى جانب المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج خلال الفترات التي تشهد فيها المنطقة غطاءً ثلجياً مهماً، ليصبح بذلك جزءاً من دورة مائية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمناخ الجبلي
منشأة تعود إلى عقود
تعود إقامة السد الموجود بهضبة أوكايمدن إلى سبعينيات القرن الماضي، وقد أصبح منذ ذلك الحين جزءاً من المشهد الطبيعي للمنطقة
وتشير دراسات علمية تناولت البيئة الرطبة في الهضبة إلى أن إنشاء السد ساهم في توفير ظروف ساعدت على اتساع بعض المناطق الرطبة المحيطة به. وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة أوكايمدن، التي تتميز بارتفاعها الكبير وتضاريسها الجبلية، حيث تلعب المياه دوراً أساسياً في الحفاظ على التوازن الطبيعي للمجال
. الثلوج..
خزان طبيعي للمياه تعيش أوكايمدن خلال فصل الشتاء على إيقاع مختلف تماماً، إذ تغطي الثلوج مساحات واسعة من المرتفعات، وقد يستمر وجودها في بعض المناطق إلى غاية الربيع
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تبدأ الثلوج في الذوبان بشكل تدريجي، فتتحول الكتل البيضاء التي تغطي الجبال إلى مصدر للمياه يغذي المجاري والمنخفضات والمناطق الرطبة
وتوضح الدراسات المتعلقة بهضبة أوكايمدن أن الغطاء الثلجي يمكن أن يستمر في أجزاء منها من أواخر الخريف إلى الربيع، ما يجعل ذوبان الثلوج أحد العناصر المهمة في الدورة المائية المحلية
منظر يتغير مع الفصول
يقدم السد التلي صورة مختلفة لأوكايمدن عن تلك التي يعرفها زوار المنطقة خلال موسم الثلوج.
ففي الصيف، تظهر المياه وسط الصخور والمراعي، بينما تتحول المنطقة خلال الشتاء إلى فضاء أبيض تغطيه الثلوج وتحيط به القمم الجبلية.
هذا التغير الموسمي يجعل المكان وجهة تستحق الاكتشاف في فترات مختلفة من السنة، إذ يقدم في كل موسم مشهداً طبيعياً مغايراً.
الماء في خدمة الحياة الجبلية
لا تنفصل أهمية المياه في أوكايمدن عن النشاط الرعوي الذي ظل حاضراً في المنطقة على مدى أجيال فالهضبة والمراعي المحيطة بها تستقبل قطعان الماشية خلال الموسم الرعوي، الأمر الذي يجعل مصادر المياه عنصراً أساسياً بالنسبة للرعاة والقطعان، إلى جانب دورها في دعم الغطاء النباتي والحفاظ على المناطق الرطبة.
وهكذا، فإن السد التلي يمثل جزءاً من علاقة أوسع تجمع الماء والإنسان والحيوان والنبات داخل بيئة جبلية تتميز بظروف مناخية وطبيعية خاصة.
أكثر من مجرد خزان مائي
تكمن قيمة سد أوكايمدن التلي أيضاً في موقعه فهو يوجد في مجال غني بالمظاهر الطبيعية والتراثية، ما يجعل زيارته فرصة لاكتشاف جانب آخر من المنطقة بعيداً عن الصورة التقليدية المرتبطة بالتزلج والثلوج.
فحول الخزان تمتد تضاريس جبلية ومراعي ومسالك، بينما تختزن المنطقة في مواقع قريبة منها آثاراً إنسانية تعود إلى عصور قديمة.
وهنا يتحول المشهد من مجرد زيارة لخزان مائي إلى رحلة تجمع بين الطبيعة والتاريخ والذاكرة الإنسانية.
من مياه الخزان إلى أسرار الصخور
وربما تكمن المفاجأة الأكبر بالنسبة للزائر في أن أوكايمدن لا تحتفظ فقط بذاكرة طبيعية مرتبطة بالماء والثلوج، بل تضم أيضاً واحداً من أهم تجمعات الفن الصخري في المغرب.
ففي الصخور المنتشرة بالمنطقة، ترك الإنسان القديم مجموعة من النقوش والرسومات التي تمثل أشكالاً بشرية وحيوانية وأسلحة ورموزاً مختلفة، بعضها يعود إلى فترات ما قبل التاريخ.
وتشير الدراسات المتخصصة إلى وجود مئات المحطات والنقوش في وادي أوكايمدن، ما جعل المنطقة محط اهتمام الباحثين في مجال الفن الصخري وتاريخ الاستقرار البشري في الأطلس الكبير. وبذلك، فإن السد التلي لا يمثل سوى نقطة ضمن لوحة أكبر بكثير؛ لوحة تجمع بين الماء الذي تصنعه الطبيعة، والمراعي التي يستفيد منها الإنسان والحيوان، والصخور التي حفظت آثار الإنسان القديم.
