من نحن بيانات قانونية شروط الاستخدام تواصل معنا
مدير النشر: Mohamed Khartouf
العالم

28 درهما لفنجان قهوة… مرحبا بكم في مراكش حيث حتى الاسبريسو له تسعيرة خمس نجوم

** يوسف بوحجلة

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد فاتورة عادية لفنجان قهوة، وقد يراه البعض تفصيلا صغيرا لا يستحق كل هذا الجدل، لكن في مدينة بحجم مراكش، مدينة تعيش من السياحة وتراهن على صورتها كوجهة عالمية، فإن بعض التفاصيل الصغيرة قد تتحول إلى رسائل كبيرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعلاقة الزائر والمستهلك بالخدمات والأسعار، الحكاية بدأت بفنجان إسبريسو داخل فضاء يقع في محيط قيسارية “بعرصة المعاش”، فنجان قهوة واحد انتهى بفاتورة بلغت 28 درهما، وفق الوصل المؤرخ في 14 غشت 2026، وهو الوصل الذي تتوفر عليه الجريدة، المسألة هنا ليست في حق صاحب المقهى أو المحل في تحديد سعر منتوجه، ولا في الدعوة إلى فرض سعر موحد على جميع المقاهي والمطاعم
فاقتصاد السوق يقوم على المنافسة، والسعر يمكن أن يختلف بحسب الموقع وجودة الخدمة والتجهيزات والكراء والتكاليف وهوامش الربح، لكن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه هو: هل يعرف المستهلك السعر قبل أن يطلب؟ وهل الأسعار معلنة بوضوح؟ وهل يتناسب السعر المعلن مع طبيعة الخدمة والمكان؟
هذه الأسئلة هي جوهر القضية، في المدن السياحية الكبرى، لا يقاس نجاح التجربة السياحية بعدد الفنادق الفاخرة أو بجمال المعالم التاريخية وحدها، وإنما أيضا بالتفاصيل اليومية التي يعيشها الزائر، السائح الذي يدخل إلى مقهى شعبي في المدينة العتيقة لا يبحث بالضرورة عن تجربة فندقية فاخرة، إنه يبحث عن أجواء مراكش، عن البساطة، عن الشاي والقهوة، عن دفء المكان وعن الأسعار التي يفترض، بحكم طبيعة الفضاء، أن تكون مفهومة ومتوقعة
وحين يصطدم بسعر يراه مرتفعا بصورة غير متوقعة، فإن المشكلة لا تنتهي عند حدود الفاتورة، إنها تتحول إلى تجربة سلبية قابلة للانتقال إلى الأصدقاء والعائلة ومنصات التواصل الاجتماعي ومواقع تقييم المؤسسات السياحية، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية،  الأكثر إثارة في هذه الواقعة أن المستهلك قد يجد نفسه أمام مفارقة غريبة في مراكش: أحيانا يمكن أن يدفع في فضاء ذي طابع شعبي سعرا يجعله يتساءل عن القيمة الحقيقية للخدمة، بينما قد يجد في فضاء سياحي راق أو فندق فاخر عروضا بأسعار قريبة أو حتى أقل، بحسب المكان والخدمة والعروض المقدمة
وهذا النوع من المقارنات، حتى وإن كان يحتاج إلى تحقق ميداني ومنهجي قبل نشر أرقام دقيقة، يكشف مشكلة أكبر،فإذا كان السعر مرتفعا، يفترض أن تكون هناك قيمة مضافة واضحة: جودة المنتج، جودة الخدمة، الموقع، التجهيز، النظافة، الأجواء، العلامة التجارية أو غيرها من العناصر التي تجعل المستهلك يتفهم الفارق أما أن يجد المواطن أو السائح نفسه أمام سعر مرتفع دون أن يفهم لماذا، فهنا تبدأ أزمة الثقة فمراكش ليست مدينة عادية،إنها علامة سياحية مغربية عالمية، وأي ممارسة تجارية سيئة داخل فضاء سياحي يمكن أن تتحول، في عصر الهواتف الذكية ومنصات التقييم، إلى صورة عن المدينة بأكملها
السائح لا يفصل دائما بين المحل والمدينة، قد يقول بعد تجربة سيئة: “في مراكش الأسعار مبالغ فيها وقد يكتب مراجعة سلبية، أو ينشر صورة الفاتورة، أو يحذر متابعيه من تجربة مماثلة وهكذا يتحول تصرف فردي إلى ضرر جماعي محتمل وهذه ليست فرضية بعيدة عن الواقع؛ فقد شهد المغرب، خلال مناسبات رياضية سابقة، جدلا واسعا حول الزيادات في أسعار المشروبات داخل بعض المقاهي، ما دفع هيئات حماية المستهلك والسلطات إلى إثارة الموضوع هنا نصل إلى السؤال الأصعب من يراقب الأسعار داخل المقاهي والمطاعم والفضاءات التجارية ذات الطابع السياحي؟
ومن يتأكد من أن السعر المعلن هو السعر المؤدى فعلا؟ ومن يستمع إلى شكايات المستهلكين؟ ومن يراقب المؤسسات التي قد تستغل الموقع السياحي أو الإقبال الكبير لفرض أسعار لا يتوقعها المستهلك؟ ، نعم القانون موجود، والمؤسسات موجودة، وآليات مراقبة الأسعار وحماية المستهلك موجودة، لكن المواطن لا يحتاج فقط إلى قوانين مكتوبة؛ إنه يحتاج إلى أن يرى أثرها في الواقع، وزارة الصناعة والتجارة تؤكد وجود أجهزة مكلفة بالتحقيق في الممارسات التجارية، كما توفر بوابة خاصة بحماية المستهلك لتلقي الشكايات والإبلاغ عن وقائع قد تكون مخالفة للقانون، المطلوب إذن ليس حملة عشوائية ضد
المقاهي، ولا شيطنة المهنيين، المطلوب هو رقابة عادلة وشفافة ومنتظمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى